لم يكتف الكيان الصهيوني فقط بالقضاء على مكونات فلسطين، الأرض والشعب، بل إنه أيضاً أراد تزييف التاريخ. فالأرض منذ آلاف السنين "أرض إسرائيل". وتبرر الأساطير الدينية الاستعمار الاستيطاني، أساطير "أرض المعاد" و"الميثاق" و"شعب الله المختار"، ويُزيف التاريخ باستبعاد الكنعانيين العرب سكان فلسطين الأصليين. ولا يوجد استيطان أبدي نظراً لهجرات الشعوب بحثاً عن الأمن والرزق. وقارتان من قارات العالم الخمس قد تكونتا كلهما من المهاجرين، أميركا وأستراليا. واستوطن البيض في أفريقيا، والأفارقة في العالم الجديد، طبقاً لقانون تقسيم العمل. وما تبقى من تاريخ شعب بعد تاريخ الأرض تم استلابه. فتحولت المدن الفلسطينية إلى مدن إسرائيلية، وحُوصرت الأحياء العربية القديمة بأحياء يهودية جديدة. حوصرت يافا مثلاً بتل أبيب. وقاومت بعض الأسماء العربية مخاطر الاندثار مثل عكا، وحيفا، واللد والرملة، وعسقلان، وبئر سبع، والمطلة، وكل البلدات التي تبدأ بلفظ "كَفر". ولكن تُنطق بالعبرية. وتم تدمير الأحياء والمدن العربية التي خرجت منها المقاومة لمحو التاريخ والقضاء على ما تبقى من فلسطين. ثم استُلب تراث فلسطين الشعبي ورموزه، الناي والجمل والخيمة. وأصبحت رموزاً يهودية. وسُرقت عادات الطعام وفنون الطهي العربية وأصبحت إسرائيلية. وتحولت الألحان العربية والدبْكة الشامية إلى ألحان يهودية ورقص يهودي. والموالح الفلسطينية، والبرتقال اليافاوي أصبحت منتجات إسرائيل وزراعاتها المصدَّرة إلى الخارج. لم يبقَ في فلسطين رمز إلا تحول إلى رمز يهودي. والحياة رموز. بل إن اسم فلسطين المشتق من سكانها الأصلين تحول إلى إسرائيل أي "انتصر الله". فأصبح المدلول الديني موظفاً في الاستعمار الاستيطاني. وأصبحت الأرض "أرض إسرائيل". ولم يكتف الكيان الصهيوني بذلك كله، أي استلاب الرموز المباشرة، الأرض، والشعب والتاريخ. بل استمر في القضاء على الرموز السياسية الحية، مثل عدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات الأخيرة التي شهد العالم كله بنزاهتها وحريتها لأنها أفرزت "حماس" التي تمثل إحدى فصائل المقاومة، وليس "فتح" التي تمثل رمز "الدولة". فلا اعتراف بـ"حماس"، حزباً أو تنظيماً أو حكومة. هي تنظيم إرهابي موالٍ لـ"حزب الله"، وسوريا وإيران و"القاعدة"، ومن ثم لا يوجد ممثل لشعب فلسطين، ولا شريك للسلام. ومن ثم تعرى شعب فلسطين من أي غطاء سياسي يحميه. فلا حدود للتدمير، تدمير المخيمات مثل جنين، وهدم المنازل، وتصفية قادة المقاومة، وقتل الأطفال والنساء، والشيوخ. الوطن مستباح، والحدود مفتوحة. والسلطة تناشد العالم، والنظام العربي صامت. ومظاهرات الشعب العربي في المدن العربية وهتافاتها تضيع في الهواء. ثم يأتي أخيراً القضاء على الرموز السياسية واعتقال ثلث أعضاء المجلس التشريعي، وربع مجلس الوزراء، ورئيس المجلس التشريعي، ونائب رئيس الوزراء ووزير التعليم. فالغطاء مكشوف، والرمز السياسي لم تعد له قيمة ولا تمثيل لشعب وراءه. والتهمة الانتساب إلى "حماس"، وهي حزب وصل إلى السلطة عن طريق الانتخابات الحرة. والغاية من القضاء على الرموز إهانة الشعب والإيحاء له بأنه غير قادر على الحفاظ على ممثليه. فقد قطع الرأس بعد أن مُزِّق الجسد إلى أشلاء. لم يعد هناك جسم للجريمة، لا جسد ولا رأس، لا ملف ولا قضية. وإذا كانت السلطة الوطنية غير قادرة على حماية مؤسساتها، وإذا كانت الحكومة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وإذا كانت المقاومة قد فقدت قادتها وزعماءها، فلم يبق شيء. ومصير الأرض المحتلة هو مصير الجليل الأعلى، كانتونات عربية داخل الكيان الصهيوني. يضمن لها الأمن والغذاء أسوة بفلسطين 1948. والعالم موافق. والنظام العربي متواطئ. والشعوب العربية مهددة بنفس الأخطار. فقد "أُكلت يوم أكل الثور الأبيض". والرمز لا يكون أسيراً. ولا يمكن استلابه أو ابتلاعه أو تحويله أو القضاء عليه. يبقى الرمز في الذهن والوجدان والخيال. ويظل الرمز حاملاً للدلالة ومؤشراً عليها. أطفال جدد يولدون كل يوم. فلسطين مثل مصر ولاَّدة. جيل يذهب وجيل يأتي. وانتصارات المقاومة في العراق ولبنان تعطي الأمل للمقاومة في فلسطين على الاستمرار. فالحق لا يضيع. ووجود الاحتلال لا يكون شرعياً. الوجود شرعيته، وشرعيته وجوده. الكيان الصهيوني وجود لاشرعي. وفلسطين وجود شرعي. مازالت رموز الوجدان والخيال باقية لم تُسلب بعد، شعر المقاومة، أغاني الأرض، واسم فلسطين. بها المسجد الأقصى، والقدس الشريف، تهفو إليها قلوب سدس سكان الأرض. أدب المقاومة مازال يبدع. وفنون المقاومة مازالت تعطي. فالنظم رمز أبدي لا يُُقضى عليه لأنه نابع من القلب والوجدان والخيال الحر. هو القدرة على الكلام والتعبير والتأثير. والكلام فعل وخلق. أطفال فلسطين مازالوا يغنون وترسمون. وأجيال فلسطين مازالت تتوارث فيما بينها مفاتيح المنازل ووثائق ملكيتها. الذاكرة الجماعية مازالت حية لم تمت. "أتذكَّر يا أبي يافا؟". أغصان الزيتون، وأشجار البرتقال مازالت في الخيال، وإن دمرتها قوات الاحتلال، وإن كانت فلسطين في جيل مضى قد ضاعت نظراً لاختلال ميزان القوى بين العرب والهجرات الصهيونية فإن ميزان العالم لا يبقى على حال. ولا موج البحر يظل دائماً في أدناه، ولا شاطئه في جزر مستمر. الشعوب قيام وقعود، والحياة صعود وهبوط. الديموغرافيا في صالح العرب. والتاريخ أيضاً شاهد على أن الاستيطان الصهيوني في فلسطين ليس أول غارة على العالم الإسلامي الذي تكالبت عليه الغارات من الشرق والغرب. مازال الأطفال يذكرون حطين، وعين جالوت، كلما شاهدوا صواريخ المقاومة تنهمر على المستوطنات الشمالية في الكيان الصهيوني. فإذا خطفت إسرائيل الرموز فإن المرموز باقٍ. وإذا استولت على المثل فإن الممثول شاهدٌ. - التجديد العربي 31/8/2006 - اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|