مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


"العَلَم العراقي".. إنها قصة ظلٍّ فَقَدَ جسمه، فأين هو "العراق"، الدولة والوطن، وأين هو "الشعب العراقي"، حتى يبقى ذلك "الرمز"؟!

هذا العَلَم، وبما يرمز إليه، لا يقع موقعا حسنا في نفوس الأكراد القوميين العراقيين الذي ينظرون إلى معاداته على أنها جزء من سعيهم إلى إظهار وتأكيد هويتهم القومية، وإلى جعل وحدة العراق ممرَّا إلى مزيد من الانفصال أو الاستقلال القومي الكردي في شماله الذي يحاولون التوسُّع في "تكريده"، أي جعله كرديا، جغرافيا وديمغرافيا. وهُم يركِّزون صراعهم من أجل ذلك في مدينة كركوك التي تتركَّز فيها "الطاقة النفطية" لنزعتهم القومية المتحالفة مع النزعة الإمبريالية للولايات المتحدة في العراق.

وقد تضطر الولايات المتحدة في سعيها إلى درء المخاطر عن جيشها، وإلى تفجير مزيد من الصراع بين الشيعة والسنة من عرب العراق، إلى تركيز وجودها العسكري، ولو إلى حين، في الشمال الكردي، الذي قد تستخدمه في تفجير "اللغم الكردي" في إيران، ولو أدى لعبها لـ "الورقة الكردية" إلى رفع منسوب القلق التركي.

والعَلَم في صورته في المرآة الشيعية ليس بالرمز الذي يميل الشيعة من عرب العراق إلى الاستمساك به والدفاع عنه، فالولايات المتحدة نجحت في العراق في التأسيس لبنية تحتية لـ "شيعية سياسية" تَفْهَم الوحدة القومية لعرب العراق على أنها هيمنة للسنة من عرب العراق على الشيعة منهم، وتَفْهَم وحدة العراق على أنها امتداد لا تفريط فيه للإقليم الشيعي ـ النفطي في جنوب ووسط العراق، والذي تَسْتَلزم الجغرافيا فيه مزيدا من "النقاء الديمغرافي الشيعي".

إنَّ العَلَم لم يبقَ من جاذبية له إلا عند السنة من عرب العراق الذين يرون فيه رمزا إلى "عصرهم الذهبي"، وإلى ما يرغبون في الاحتفاظ منه في العراق "الجديد"، الذي لا جديد فيه إلا هذا الإحياء لقوى الموت التي لا عمل تؤديه على خير وجه سوى إماتة كل ما بقي فيه من الحياة القومية العربية. وربما يتَّفقون، أو يضطرون إلى الاتفاق، على إلغاء العَلَم العراقي، أي على اتخاذه كَفَناً يكفِّنون به العراق، مُسْتبقين منه لعَلَم العراق الجديد عبارة "الله أكبر" حتى لا يُفْهَم الكفر بالعراق القديم على أنه كفر بالله!

لستُ ضد الحق القومي للأكراد جميعا أكانوا في العراق أم في تركيا أم في إيران أم في سورية. ولستُ ضد أن يتحالفوا حتى مع الشيطان في سبيل نيل حقوقهم القومية؛ ولكنني ضد أن يشتروا الهيمنة الإمبريالية للولايات المتحدة عليهم بالاستقلال القومي عن العرب، وكأنهم يشترون الضلالة بالهدى. وضد أن يُسْتَخْدم حقهم القومي الذي لا ريب في شرعيته سلاحا تُحارِب به الولايات المتحدة وإسرائيل (وغيرهما) الحق القومي للعرب، ووجودهم القومي.

ولكن، ما نفع كلام كهذا إذا كان الصعود القومي لأكراد العراق لم يُثمر لجهة تحدِّي عرب العراق على أن يكونوا عربا في المقام الأول، وعلى أن يظهروا من قوة الانتماء القومي ما يعدل قوة الانتماء القومي لدى الأكراد، وما يمكِّنهم، بالتالي، من النأي بعقولهم ومشاعرهم السياسية عن تأثير كل مرجعية للعصبية الشيعية أو السنية، فالعراق الذي يتألف من إقليمين كردي وعربي، أي العراق الدولة الثنائية القومية، هو وحده العراق الذي فيه يصبح ممكنا تمييز الديمقراطية والفدرالية من المصالح والأهداف الإمبريالية للولايات المتحدة.

لقد جاءنا النصر الذي أحرزه "حزب الله" على إسرائيل بمزيد من الأمل، فجاءتنا الولايات المتحدة (وإسرائيل) من العراق بمزيد من الألم، وكأنَّ "النار العراقية" هي سلاحهم في الحرب على "النور اللبناني"، وكأنَّ ما جاء به الدمار الإسرائيلي من بناء للانتماء القومي العربي يمكن هدمه بيد هذا الخراب العراقي.

الولايات المتحدة لا تملك في العراق، وفي جواره العربي، من المصالح والأهداف إلا ما يحملها ويشجعها على أن تؤسِّس للخلاف والاختلاف (الفكري الديني) بين الشيعة والسنة من عرب العراق أحزابا وقيادات وميليشيات ومؤسسات دستورية وسياسية.. لقد أعدت عدتها للحرب الأهلية العراقية؛ ثم شرعت تُظْهِر نفسها على أنها الحريصة كل الحرص على درء مخاطرها عن العراق. وليس هذا الحرص سوى جزء من فن إدارتها لتلك الحرب، فلا يشتد لهيبها ولا يخف إلا بحسب مصالحها وأهدافها الإمبريالية.

إنَّ من فشل في معرفة ذاته الحقيقية سيفشل حتما في معرفة عدوه الحقيقي، وسيتلهى عنه بهذا العدو الوهمي أو ذاك! - مفتاح 5/9/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة