مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


الفلسطينيون حائرون مترددون، هذا هو الوصف الذي ينطبق على الحالة السياسية السائدة وعلى حالة من يصنع القرار السياسي، فتارة هناك من يدعو إلى حل السلطة ومؤسساتها، وهناك من يدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهناك من يشكك في مصداقية ونجاح أي حكومة وحدة في غياب الأفق السياسي العام. وما بين هذا وذاك الكل حائر لا يعرف ماذا يريد، وهو وضع بلا شك لا يحسد عليه الفلسطينيون ولم يسبق لهم أن عايشوه حتى في أصعب حالاتهم السياسية، حالة من الحصار الشامل وسط صمت وانشغال دوليين، وحكومة غير قادرة على أداء أبسط مهامها ووظائفها لا بسبب عجز، بل بسبب ما يفرض من ضغوطات وحصار خارجي وعدم قدرة على التكيف السياسي والاستجابة المرنة، وعدوان “إسرائيلي” مستمر، وتناحر وتنافس سياسي داخلي، وسلطة سياسية تفتقر إلى الحد الادنى من الممارسات والقدرة على اتخاذ قرارات ملزمة ومؤثرة في محيطها، وأجهزة أمنية متعددة تتنازعها سلطات وصلاحيات حكومية ورئاسية، ولذلك تفضل الترقب والانتظار مفسحة المجال للقوة الخاصة وغيرها من التنظيمات يفرض كل منها تصوره للوضع الأمني، وحرية واسعة للأفراد وللعائلات أن تأخذ حقها بيدها وحسب قوتها، وبدلا من أن تتحول غزة إلى واحة صغيرة للبناء السياسي الديمقراطي ونموذجا للتنمية، تحولت إلى ثكنة عسكرية تأكل نفسها بنفسها، وكل هذا وسط وضع اقتصادي متردٍ وزيادة حالات البطالة والفقر والجريمة وفقدان الأمن الشخصي. أقل ما يقال فيها حالة من الشلل على مستوى السلطة والمجتمع.

والتساؤل هنا بل التساؤلات: هل من مبرر لكل ذلك لحل السلطة ومؤسساتها وللوضع الأمني والاقتصادي والسياسي؟ وما المقصود بحل السلطة؟ وهل هو حل لكل مؤسسات السلطة والغاء لكل ما يترتب من التزمات واستحقاقات على هذا الحل؟ وما دوافع هذا الحل هل هي دوافع تنظيمية أم وطنية؟ هل الحل هو حل للحكومة بالمعنى الضيق للسلطة؟ وهل هو عودة كاملة للحالة السابقة على قيام السلطة، ومن ثم العودة إلى حالة المقاومة الكاملة وقيام مؤسسات المجتمع المدني بالوظائف التي تقوم بها السلطة؟ وهل هي دعوة صريحة بعودة الاحتلال وقيام الاحتلال بواجباته إزاء شعب وإقليم محتل؟ وماذا لو لم يعد الاحتلال؟ وماذا عن مصير آلاف الموظفين والمؤسسات؟ أسئلة لا حصر لها وكل منها يشكل في حد ذاته تحدياً كبيراً. ويبقى التساؤل المهم، هل نحن مدركون ومستوعبون ومستعدون لكل هذه الاحتمالات.

الاسئلة كثيرة والإجابات أصعب أو حتى قد تكون غائبة وغير متاحة. من السهل جدا اتخاذ قرار، لكن من الصعب التعامل مع نتائج القرار، اتخاذ القرار يتخذه فرد أو مجموعة أفراد، لكن نتائجه وتبعاته يتحملها المجتمع كله.

إن عامل الوقت يلعب دوراً حاسماً في اتخاذ أي قرار سياسي، فإذا جاء القرار في غير وقته حتى لو كان سليما فإن نتائجه تكون سلبية. وهذا ما ينطبق على القرارات الفلسطينية بحل السلطة أو حتى تشكيل حكومة وحدة وطنيه، علينا أن ندرك عامل الوقت، وأن ندرك ماذا نريد وبصراحة ووضوح وأن ندرك أن القضية الفلسطينية أكبر من أن تحددها رؤية تنظيمية واحدة.

هناك عدد من المعطيات التي يجدر الإشارة اليها: أولها، أننا لا نملك سلطة بالمعنى السيادي فهي أقرب إلى سلطة خدمات تمارس بعض المظاهر السيادية التي ينبغي المحافظة عليها، وثانيها، أن قيام السلطة كان وما زال مرهونا بمجموعة من الاتفاقات الدولية المبرمة ما بين الجانب الفلسطيني والجانب “الإسرائيلي” وبرعاية دولية وهو ما يعني أن السلطة نتاج اتفاق دولي بما يترتب على ذلك من اعتبارات والتزامات، ومن ثم فهي مسؤولية دولية في توفير ضمانات استمرار عمل هذه السلطة وإلا فالبديل لذلك هو تحول هذه المسؤولية إلى مسؤولية دولية، وثالث هذه المدركات ولعل أهمها البعد الفلسطيني في أي قرار يتخذ وأقصد بذلك النظر إلى السلطة السياسية على أنها امتداد وتطور للكيانية الفلسطينية وصولا إلى اكتمالها في صورة دولة كامله، لا ينبغي التضحية به تحت أي مبررات.

في ضوء هذه المعطيات تبدو لنا أهمية المحافظة على السلطة ومن ثم المحافظة على الحكومة باعتبارها الفرع التنفيذي الأهم فيها، مما يستتبع التفكير في الخيارات والبدائل الاخرى ويأتي في مقدمتها إعادة تشكيل الحكومة الفلسطينية على أساس وطني لأسباب عديدة ومنها الأزمة المتنامية التي تواجهها الحكومة، وكيفية الخروج منها، الرغبة في اتخاذ قرارات صعبة تفرضها المرحلة الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية. ومسألة حكومة وحدة وطنية لا يعني أن تترأسها حماس أو غيرها، ولا يعني إعادة توزيع للمناصب الوزارية حسب وزن كل تنظيم، وليست مجرد مكافآت تمنح هنا أو هناك وإنما المهم في حكومة الوحدة الوطنية هو البرنامج السياسي الذي يخرجنا من عنق الزجاجة الذي وضعنا أنفسنا فيه بأيدينا. وفي هذه الحالة البرنامج هو برنامج وطني توافقي.

وأخيرا ليس أمام الفلسطينيين خيارات كثيرة حتى ينتظروا الوقت، وإذا لم يسارعوا إلى اتخاذ القرار المناسب فقد يتخذه غيرهم بعيدا عن المصلحة الفلسطينية ولنتذكر دائما أن القضية الفلسطينية أكبر من منصب وزاري هنا أو هناك. - الخليج الاماراتية 9/9/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة