التغير الذي طرأ على الـموقف الأميركي الإسرائيلي جاء بصيغة التراجع عن سياسة فرض الحلول من طرف واحد، بعد الفشل الذريع في تصفية الـمقاومة اللبنانية عسكرياً. ولا شك في أن هذا التراجع فتح فرصة أمام تدخل عربي وفلسطيني من نوع جديد، تدخل على وقع استقطاب شعبي كاسح لـمصلحة طريق الـمقاومة، مترافق مع انفضاض شعبي شامل عن طريق الحل الأميركي الـمهين، ذلك الاستقطاب الذي عبر فيه 85% إلى 99% من الشعوب العربية عن عدم ثقة الشعوب العربية بالسياسة الأميركية الـمذلة في عموم الـمنطقة العربية. لقد دفعت نتائج الحرب اللبنانية النظام العربي للتفاعل معها بصورة وأخرى، بدءاً من الإعلان عن إخفاق الحل السياسي، وانتهاء بالتوجه لطرح مبادرة السلام العربية على مجلس الأمن الدولي من أجل تطبيقها. ولـم يكن الـموقف الأوروبي ببعيد عن تلك الـمبادرة القديمة الجديدة. غير أن كل حديث عن مبادرة عربية وأوروبية لا يكتسب معناه بمعزل عن الـموقف والاستجابة الفلسطينية، وذلك بعد أن أصبح الشعب الفلسطيني في الـموقع الذي يتطلب منه مبادرة سياسية هجومية وليس في موقع الاستجابة فقط. الـمبادرة أو الاستجابة الفلسطينية نابعة في الأساس من حاجة ومصلحة وطنية لتجاوز حالة الاختناق التي يعيشها الشعب الفلسطيني، جراء الحصار الشامل والعقوبات الجماعية والعزلة القاتلة الـمترافقة مع حرب التدمير والتصفية لبنية الحركة الوطنية والـمقاومة والـمجتمع. هذا الوضع الشاذ لـم يسبق أن مرت به الحركة الوطنية ولا أية حركة تحرر في العالـم. ويبدو أن الـمبادرة الـمفترضة أو الاستجابة الـمطلوبة تصطدم بالخبرة الـمتواضعة واللياقة السياسية الـمحدودة لحركة حماس التي أصبح تأثيرها كبيراً على القرار الفلسطيني. لا يجوز استمرار طرح الأزمة من زاوية الـمواقف الإسرائيلية والأميركية والدولية، فلا يوجد خلاف في رؤية وإدانة الـمواقف العدائية والظالـمة التي تشكل نصف الـمشكلة. الخلاف الذي يتعين التوقف عنده بمسؤولية يتمحور حول الـمواقف والأدوار الفلسطينية، التي تفاقم الأزمة وتمكن العامل الخارجي من النجاح أو الفشل. اعتلت حماس سدة الحكم وقد اعتمدت على ثلاثة مرتكزات، الأول: الخروج من الـمأزق السياسي الناجم عن بقاء الاحتلال والسعي بكل الوسائل لإنهائه والوصول إلى حل عادل إو هدنة طويلة الأمد دون التنازل عن الحقوق التاريخية. الثاني: الاصلاح والتغيير في مجالات التعليم والصحة والعمل، وفتح ملفات الفساد. الثالث: وضع حد للفلتان الأمني. قد يكون من الـمبكر تقييم التجربة بعد أقل من عام، وهذا صحيح في حالة كان الإنجاز متعثراً أو محدوداً، وفي حالة وجود خطة واتباع خطوات في الاتجاه الصحيح. ولكن في حالة التدهور الـمثير للـمخاوف حول الأمن السياسي والاجتماعي والغذائي الجمعي والفردي ، يجوز التقييم وقرع الأجراس تماماً كما هو حال التدخل أثناء الأزمة بهدف وقف تداعياتها والخروج السريع منها. وقد يقال: إن الضغوط الخارجية والحصار لـم يمكنا حماس من أخذ فرصتها والشروع بترجمة مواقفها وبرنامجها. لهذه الـمقولة جانب آخر هو، ماذا فعلت حماس لـمنع الحصار وفكه؟ وخاصة إذا كان الشعب يدفع الثمن، وإذا كان الـمحاصرون يستندون لذرائع تقدمها حماس من وجهة نظرهم. الـمشكلة الأساسية هي في موقف حماس السياسي الـمزدوج الذي ينتمي لاستراتيجية مقاومة ولكن دون مقومات، وينتمي في الوقت ذاته لاستراتيجية الحل السياسي دون مقومات أيضاً. لـم تستطع حماس تأمين الحد الأدنى للـمقاومة كما فعل حزب الله، وهذا يعود لوجود الشعب الفلسطيني داخل قبضة الاحتلال، ولافتقاده قواعد الارتكاز الـمحيطة بفلسطين، ولافتقاده الدعم الـمادي والعسكري الضروري الذي يجعله قادراً على الصمود ومواصلة الـمقاومة. كان إغلاق كل الحدود أمام منظمة التحرير هو الذي دفعها لنقل مركز النضال للوطن بعد العام 1982 وهو الذي جعل الشكل الرئيس للنضال هو الانتفاضة الشعبية التي تحظى بتأييد عالـمي وعربي واسع النطاق، وادت هذه الاستجابة الى فتح الـمجال امام امكانية الحل السياسي الـمرتكز للشرعية الدولية. نعم، عندما فشلت الـمنظمة في ايجاد مقومات لاستراتيجية الـمقاومة تعاملت بعقلانية وواقعية سياسية ووفرت الأمان السياسي والاجتماعي لشعبها، وكان يمكن لها الوصول الى نتائج أفضل بكثير لو اعتمدت الـمنظمة سياسة اصلاح ديمقراطي حقيقي في بنيتها ومؤسساتها. مقابل ذلك، عندما فشلت حماس في ايجاد مقومات لاستراتيجية الـمقاومة استعاضت عن ذلك بالشعارات والخطابات ووضعت الامن السياسي والاجتماعي لشعبها في مهب الريح. توقفت حماس عن الـمقاومة ولـم تعتمد الحل السياسي وكان الهدف هو وصولها الى الـمركز والسلطة وبقاؤها فيهما أطول مدة ممكنة. لـم تراجع حماس سياسة الـمنظمة وتجربتها الطويلة الـمليئة بالعناصر الايجابية والـمتضمنة لأخطاء لا حصر لها، لانها تتعامل مع النضال الفلسطيني من لحظة انطلاقتها خلافاً للـمعارضات التي تأتي الى الـمركز بأسلوب النفي الجدلي الذي يمسك بكل عناصر القوة في الحركة السابقة ويبني عليها ويترك كل الأخطاء ولا يعيد تكرارها أو انتاجها. كان انقطاع الاخوان الـمسلـمين عن الـمقاومة منذ احتلال 1967 وحتى انطلاقة حماس العام 1988 هو السبب في ضعف لياقة حماس السياسية الراهنة. تتعامل حماس مع الاستحقاق السياسي الـملح بالشعارات وبالحديث عن الثوابت الخاصة بها، دون أن تجيب عن سؤال واقعي جداً. هل تستطيع رفض الشرعية الدولية والبقاء عضواً في الـمجتمع الدولي في الوقت ذاته؟ هل تستطيع فك الحصار والاتصال مع العالـم الخارجي وطلب الدعم العربي والدولي دون الالتزام بما هو مشترك مع شعوب ودول العالـم والدول العربية؟ لا تستطيع حماس فعل ذلك، حتى دول عظمى بقامة الصين الشعبية وروسيا لـم تستطع الخروج على الشرعية الدولية وكذلك دول إقليمية بمستوى ايران وسورية لـم تجازف برفض الشرعية الدولية، اسرائيل واميركا من جهة وابن لادن وطالبان من الجهة الأخرى تمردوا على الشرعية الدولية لكنهم انعزلوا عن العالـم بشكل وبآخر. عاجلا أم آجلا ستكتشف حماس ان سقف الحل السياسي الذي سنصل اليه هو الشرعية الدولية وغير ذلك يرتبط بتغيير قواعد الصراع وميزان القوى على صعيد عالـمي أو يبقى شعاراً وحلـماً خارج الواقع. من حق حماس ان تحلـم ولكن الأهم هو من حق الشعب أن يعيش حراً ما استطاع الى ذلك سبيلاً. - مفتاح 19/9/2006 - اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|