كان أصحاب هذا الرأي يخشون على مكانة المنظمة وهيبتها ووحدانية تمثيلها للفلسطينيين وقضيتهم الوطنية في الداخل والخارج، ومن وقوعها تحت طائلة الضغوط والابتزازات إذا ما انتقلت بقيادتها ومؤسساتها إلى جوف الوحش الإسرائيلي. والواقع أن هذه المخاوف ونحوها لم تكن بلا أساس، أقله بالنظر إلى ضبابية معظم نصوص أوسلو وحاجتها إلى توابع واتفاقات تفسيرية أو تفصيلية لا حصر لها. وكذا بالنظر إلى خلو هذه النصوص صراحة مما يؤكد أن أفق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية هو قيام دولة فلسطينية ذات سيادة في حدود الأرض المحتلة 1967 عاصمتها القدس الشريف، أو يعلن اعتراف إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير! هذا علاوة على أن شيئاً لم يصدر عن إسرائيل يعد بحصانة حقيقية لرموز المنظمة، قيادة وكوادر ومؤسسات، أو بمعاملتها كحكومة لدولة على طريق التبلور والإقلاع. لكن الذي حدث هو غياب هذا الرأي وضياعه في زحمة عمليات الهدم والبناء وورشة ثقافة السلام والوعود الكبرى التي جرى الترويج لها في اطار تسويق اوسلو بين الرأي العام الفلسطيني بالذات. وفي هذه الغضون، انتقلت قيادة المنظمة إلى الداخل جامعةً إلى رئاستها المتعددة رئاسة السلطة، غير عابئة بما يعنيه ذلك من استطراق أي ضغوط تتعرض لها كسلطة للحكم الذاتي «الإداري المحدود» إلى رحاب المنظمة، وهو ما حدث لغير مرة وفي أكثر من مناسبة، لعل أشهرها احتجاز هذه الرئاسة المزدوجة (ممثلة في ياسر عرفات) ووضعها تحت الإقامة الجبرية حتى الموت، بما أفضى إلى شلل الكيانين معاً، السلطة والمنظمة. في كل حال، تأكدت في عهد أوسلو وتوابعه كل الظنون التي هجس بها القائلون بنظرية «الفصل مع الوصل» بين المنظمة والسلطة. إذ انداحت الأخيرة على الأولى مستقطعة من صلاحياتها ووظائفها وأدوارها بشكل حثيث، حتى اختلط على المختصين بالشؤون الفلسطينية، ناهيك عن العامة، التمييز بين الأصل والفرع. بل صار للفرع (السلطة) مسميات ومصطلحات أكبر شأناً في قاموس النظم السياسية والأعراف الديبلوماسية من تلك التي يحملها الأصل! (حكومة ورئيس حكومة ومجلس تشريعي ووزراء ووكلاء وزارات في السلطة، مقابل لجنة تنفيذية ودوائر ومديري دوائر ومجلس وطني في المنظمة). وفي حالات فارقة بعينها كانت التعارضات بين الكيانين ومحاولة نزع صلاحيات الأصل لصالح الفرع جلية إلى درجة مذهلة. هذا ما جرى مثلاً وما زال بخصوص الشؤون الخارجية وأحقية التمثيل أمام المحافل الإقليمية والدولية. حَري بالاستطراد هنا أن أحداً من الباحثين عن مد نفوذ السلطة على حساب المنظمة لم يتساءل عن مغزى عدم اعتراض إسرائيل على هذه الظاهرة رغم مخالفتها لاتفاق أوسلو! والسبب في تقديرنا أن تل أبيب كانت سعيدة بهذه المخالفة التي تفت من عضد الكيان الفلسطيني السياسي الأصل من دون أن تعزز الفرع بالضرورة، كما أنها تراكم المزيد من رموز الأصل ومصادر قوته تحت سيطرتها المباشرة. ويبدو أن هذا هو ما تحقق بالفعل، فقد أصيب النظام الفلسطيني بهوس الداخل وتضخم الحديث عن تحول مركز الثقل من تونس إلى رام الله وغزة. وجاء حين من الوقت اتهم فيه المستنكفون عن الالتحاق بالسلطة وهيئاتها أو دخول الضفة وغزة في وطنيتهم وشجاعتهم حتى وإن كان هولاء من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة أو الأمناء العامين للفصائل. بل ومضى البعض إلى الاعتقاد بأن من لا يتمرغ في تراب السلطة لن يكون له مستقبل سياسي أو اقتصادي! وجرت مقارنات تقيس مكانة المسؤولين والكوادر وشيوخ العمل الفلسطيني العام بمدى القرب أو البعد من السلطة وتنفيذها، فيما باتت المنظمة مدعاة للأسف وسط الاشفاق على حالها وحال المتعلقين بها. ولأغراض لا تتصل جميعها بأهداف وطنية عليا ولا بتخطيط عسكري أو اقتصادي يتطلع للاستقلال والتحرر، اتبعت السلطة سياسات توسعية في التوظيف والانفاق العام حتى أمست عائلاً لثلث أبناء الضفة وغزة. وهذه وضعية لا سابقة لها في خبرات الحكومات ولا الثورات. وعلى ذلك يتهكم بعض الخبثاء بالقول إن السلطة الفلسطينية أحالت شعبها من مواطنين ومناضلين إلى موظفين! نفهم أن لهذه الحالة مبرراتها، لكنها تبقى استثنائية وذات دلالة، لا يمكن لعاقل إغفالها وهو يستطلع مغزى وجدوى وجود السلطة أو تفكيكها. غير أن كثيراً من المداخلات الموصولة بقضية مستقبل السلطة، لا سيما تلك التي تعطف عليها أو تفضل حلها ونفض أيدي النظام الفلسطيني منها، تبدو وقد وقعت في خطيئة هذا الإغفال. إذ لا يلحظ القائلون بهذا الخيار المياه الغزيرة التي مرت خلال عهد السلطة تحت جسور القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير، وحجم المصالح والتعقيدات التي ارتبطت بهذا العهد فلسطينياً وإقليمياً وإسرائيلياً ودولياً. ولو أنهم فعلوا ذلك لأدركوا مثلاً أن تغييب السلطة في إطار عجز المنظمة ربما أدى إلى سيولة كبرى في كيانية الشعب الفلسطيني السياسية. ويُفرط هؤلاء في التفاؤل حين يتوقعون أن يساهم «حل السلطة» في تجلي صورة إسرائيل كدولة احتلال، ومن ثم إعادة إلقاء أعباء هذه الحالة عليها طبقاً لمقتضيات القانون الدولي. فاسرائيل لم تكن يوماً على صلة حميمية بالشرعية والقانون الدوليين. كما أنها تقارب الأراضي الفلسطينية كفضاء متنازع عليه بأكثر ما تنظر إليها كمناطق محتلة. وثمة احتمال قوي أن تطالب تل أبيب بإزالة ما ترتب على قيام السلطة من آثار مباشرة، كوجود نحو ثلاثين ألف مسلح من قوات الأمن الفلسطينية متعددة الأسماء وعدد لا يحصى من الهيئات والمؤسسات التي تقدم لأبناء الضفة وغزة خدمات جليلة، ولا نحسب أن الحالة الفلسطينية تسمح بإيجاد البديل واستيعاب تداعيات هكذا إجراءات. باقتضاب، إن زوال السلطة لن يعني استئناف الفلسطينيين حياتهم النظامية واليومية من النقطة التي كانوا عليها يوم نشأت هذه السلطة قبل ثلاثة عشر عاماً. الأكثر معقولية والأقرب للمنطق هو النظر جدياً في كيفية الفصل والوصل بين هذه السلطة والمنظمة الأم، وهذا يستدعي قبلاً إيقاظ الأخيرة من غفوتها الممتدة وتقعيدها على سكة الفعالية، مع أخذ المستجدات والمتغيرات في بيئاتها المحلية والإقليمية والدولية بعين الاعتبار والتدبر. - الحياة اللندنية 25/9/2006 - اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|