مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


أتمنى ان تكون الاخبار التي تشيعها حكومة “حماس” خصوصاً من خلال التصريحات التي يدلي بها المستشار السياسي لرئيس الحكومة اسماعيل هنية والناطق الرسمي باسمها، عن قرب التوصل الى اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، اخبارا صحيحة. فمثل هذه الحكومة، اذا تشكلت ستكون افضل من اي تشكيلة حكومية أخرى، وافضل من استمرار الوضع الراهن، الذي ينذر استمراره بالكوارث.

ولكن التصريحات المتضاربة بين “فتح” و “حماس” وتلك التي تصدر عن قيادات “حماس” نفسها، وتنفي اخبار التقدم وتنكر وجود مبادرة مصرية وتتحدث عن تعثر المشاورات “بسبب تعنت الرئيس” كما جاء على لسان ممثلها في لبنان اسامة حمدان، تدفع الى الاستنتاج أن هناك اغراقاً في التفاؤل، أو اسقاطاً للتمنيات على الواقع، او محاولة للمماطلة والمناورة بهدف كسب الوقت. لا اعتقد ان حكومتنا بانتظار مجيء منقذ من المجهول، لأنها تسير وفق الحديث الشريف “اعقل وتوكل”، بل لعلها تراهن على الوقت وحده، لعله يحمل معه تغييرات وتطورات محلية واقليمية ودولية تساعد على انهاء الحصار والأزمة الخانقة التي يعيش وسطها الفلسطينيون. لكن اي تطورات مهما كانت في ظل الوضع الفلسطيني الحالي لن تساعده، فأهل مكة ادرى بشعابها.

المعطيات المتوافرة والتحليل المنطقي للامور، وبعد البحث في ما يجري في الكواليس، تسمح بالقول ان الجهود المحلية والعربية والدولية القائمة ليست سوى محاولة لسد الفراغ، ولم تحدث اختراقاً يسمح بالتفاؤل الذي ينتشر، ويتحدث اصحابه عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي فترة لا تتعدى الاسبوع.

حقائق الواقع العنيدة تصطدمنا بقوة، وتفيد بأن المشاورات والجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية لا تزال عالقة امام عقدة عدم الاتفاق على البرنامج السياسي. فالرئيس (ومعه حركة فتح) يعبر عن ضرورة وفاء اي حكومة وحدة وطنية بشروط اللجنة الرباعية الدولية حتى تكون قادرة على الاقلاع وفك الحصار والعزلة الدولية، وفي الحد الأدنى يمكن ان يرضى ابو مازن بعودة “حماس” عن تراجعها عن المحددات السياسية لتكون هي اساس برنامج الحكومة العتيدة.

حركة “حماس” بدورها تصر على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاستها وعلى اساس وثيقة الأسرى، من دون محددات ولا استدراكات.

والجسر الذي يمكن أن يردم الهوة بين الموقفين، ويسمح بالاتفاق على برنامج مشترك يمكن ان يحدث خلال دقائق معدودة، اذا توفرت الارادة الكافية للاتفاق. وهذا يمكن ان يحدث اذا تراجع ابو مازن عن موقفه لصالح موقف “حماس”، او اذا تراجعت “حماس” عن موقفها لصالح موقف ابو مازن، او اذا تقدم الطرفان باتجاه برنامج يمثل الحد الأدنى المشترك ويحفظ الحقوق الوطنية ويكون قادراً على الفعل والتأثير محلياً وعربياً ودولياً. ومن دون حدوث اي خيار من الخيارات السالفة الذكر، يكون الحديث عن حكومة وحدة او حكومة كفاءات او اي صيغة حكومية اخرى، اضغاث احلام لا اكثر ولا أقل. فالوفاق الوطني ضروري من خلال حكومة وحدة وطنية وعلى اساس برنامج قادر على الاقلاع، واذا تعذر ذلك يمكن الاتفاق على حكومة كفاءات وطنية لمدة عام.

ويمكن كحل للاشكال الجمع ما بين الصيغتين، بحيث تكون الحكومة المقبلة حكومة وحدة وطنية، وحكومة كفاءات وطنية في آن، وذلك من خلال اعتماد الأسس التالية:

اولاً: تكليف شخصية وطنية مستقلة تكون محل قبول من الجميع لرئاسة الحكومة المقبلة.

ثانياً: مطالبة كل الفصائل والاحزاب بتقديم مرشحين عنها للمشاركة بحكومة الوحدة من اصحاب كفاءة وخبرة ونزاهة، اضافة الى عدم تفضيل الشخصيات القيادية من الصفوف الاولى، تسهيلاً لقبولها عربياً ودولياً.

ثالثاً: مشاركة كفاءات وطنية مستقلة لا يقل عددها عن ثلث عدد الوزراء يتم اختيارهم على اساس معايير موضوعية وعبر التوافق الوطني، ويمثلون القطاع الخاص والمجتمع المدني والفعاليات المستقلة.

رابعاً: يراعى عند توزيع الحقائب الوزارية ان يكون نصيب كل فصيل متناسباً مع حجمه في المجلس التشريعي.

خامساً: الوزارات السيادية يفضل ان تتولاها شخصيات وطنية مستقلة ذات كفاءة ونزاهة.

سادساً: تقوم الحكومة المقترحة بتفويض منظمة التحرير ورئيسها بالملف السياسي والمفاوضات شرط الالتزام بالحقوق والاهداف الوطنية، وعلى اساس الالتزام بما التزمت به المنظمة سابقاً او يمكن ان تلتزم به لاحقاً، شرط ان يتم اقراره في استفتاء شعبي او عبر المجلس الوطني الجديد الذي سيتم ويجب ان يتم تشكيله وفقاً لما جاء في اعلان القاهرة ووثيقة الاسرى، ومع الاحتفاظ بحق الحكومة المقبلة في مراجعة الاتفاقات السابقة نظراً لانها مجحفة بحق الشعب الفلسطيني، ولأن الحكومات الاسرائيلية لم تحترم التزاماتها فيها، ولا تعترف سوى بالالتزامات الفلسطينية.

أما اذا لم يتم الاتفاق على اي صيغة توافقية، فسنجد انفسنا وبسرعة امام واقع جديد اسوأ من الذي نواجهه حالياً. ومن المرجح ان نجد انفسنا امام قرارات حاسمة يتخذها الرئيس ويستخدم فيها صلاحياته الدستورية من خلال واحد من الخيارات التالية:

* اقالة الحكومة وانتظار ردة فعل “حماس” قبل تكليف شخصية وطنية بتشكيل حكومة جديدة.

* تشكيل حكومة طوارئ، حتى لو كانت هناك اجتهادات حول قانونيتها، ولكنها خطوة تغير الواقع الحالي جوهرياً.

* الدعوة الى استفتاء شعبي لمعرفة رأي الشعب إما بشأن تنظيم انتخابات مبكرة تشريعية ورئاسية او في برنامج المنظمة والرئيس، او في مسألة تشكيل حكومة كفاءات وطنية.

واي خيار لا يتم التوافق عليه وطنياً ستكون له نتائج وخيمة، فالرئيس يتعرض لضغوط متعددة داخلية وخارجية، وقد التزم علناً باتخاذ قرارات حاسمة قريباً، وستكون مصداقيته كلها على المحك اذا لم يصدر تلك القرارات، خصوصاً اذا لم يملك في يده ما يبرر التأجيل. وامام الرئيس مناسبتان مهمتان تقدمان له اغراءً كبيراً لاتخاذ القرارات الحاسمة: الذكرى الثانية لوفاة الرئيس ياسر عرفات، وذكرى اعلان الاستقلال الفلسطيني.

في هذا السياق، على اصحاب مبادرة “نداء من اجل فلسطين” ان يدركوا ان الكرة الآن في ملعبهم. فاذا استطاعوا ان يحافظوا على قوة الدفع لمبادرتهم، سيكتب التاريخ انهم ساهموا بانقاذ الوطن والقضية، وهذا يفرض عليهم بذل المستطاع لاعطاء مبادرتهم زخماً شعبياً عبر تنظيم تظاهرات حاشدة وعقد اجتماعات ومؤتمرات شعبية وتمثيلية يكون عنوانها وهاجسها الضغط لتشكيل حكومة كفاءات وطنية لفترة انتقالية، توفر الشروط المناسبة لمواصلة الحوار لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بعيداً عن التوتر والتشاحن والاستقطاب الحاد والتحريض المتبادل، وبعيداً عن الحصار وتفاقم الامور على كل الاصعدة.

في مثل الجو السائد حالياً يصعب الحوار، ويصعب اكثر الاتفاق، اذا لم أقل يستحيل الاتفاق على برنامج مشترك. الاتفاق ممكن على مخرج وليس حلاً للمأزق، عبر حكومة كفاءات، فالبديل عن الاتفاق على حل او مخرج هو الانزلاق نحو الاقتتال، وهذا شيء مدمر للجميع وللقضية، والاحتلال هو المستفيد الوحيد من الاقتتال الفلسطيني. - الحياة اللندنية 2/22/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة