في مبادئ علم الصحافة والإعلام في شكل عام، أن الحدث عندما يقع يصبح خبراً وقع بالأمس قد يتلاشى تدريجاً أو تنتهي مفاعيله، وقد يستمر يوماً أو أياماً ثم يأخذ طريقه الى رفوف النسيان والذكريات وأرشيف التاريخ. وكرس هذا المبدأ عصر الاتصالات وثورة التكنولوجيا والبث المباشر عبر الأقمار الاصطناعية وبروز الفضائيات العربية، وغير العربية، وسيطرتها على عقول الملايين من المشاهدين ومراكز تشكيل الرأي العام وبناء المواقف. في الماضي كنا نتلقى الصحيفة كالرغيف الساخن لمطالعة أخبارها بلهفة واهتمام وتبني مواقفها، كما كنا ننتظر نشرة الأخبار المسائية اليتيمة لنشبع فضولنا بالصوت والصورة ونكمل «ثقافتنا» الإخبارية بما بدأناه صباحاً على أمل بزوغ فجر جديد يحمل معه خبراً مثيراً إن لم يكن خبراً يقيناً. أما اليوم فقد أصبح خبر الأمس قديماً و «بائتاًَ» لا يغني ولا يسمن لأن الفضائيات استهلكت مكوناته وقضت على جوانب الاثارة فيه عبر تغطياتها المباشرة بالصوت والصورة وبالتفصيل الممل ومتابعاتها التحليلية والوثائقية واستعانتها بالمواد الأرشيفية واستضافة «جحافل» المحللين الذين تكاثروا وانتشروا كالنار في الهشيم حتى أصبحوا «أكثر من الهم على قلوب المشاهدين». هذا الواقع الإعلامي لم يترك للصحافيين والإعلاميين في مختلف الوسائل الإعلامية، وفي الصحف اليومية على وجه التحديد، سوى ركوب موجة التنافس وتغيير قواعد اللعبة وابتكار أساليب جديدة لاستعادة «المتلقي» الشارد والمشوش الذهن والملتبس في المواقف، ومواكبة روح العصر وفهم معاني المتغيرات الكبرى التي أحدثتها ثورة التكنولوجيا. أول هذه المبادئ في قواعد اللعبة الجديدة التفرد في متابعة ردود الفعل وتحليل النتائج والمفاعيل والانعكاسات لأي خبر ومحاولة تحديد الخطوات التالية عند معالجة أي حدث أو متابعة أي خبر فالذي «فات مات» كما يقول المثل، والمهم محاولة الإجابة على السؤال الملحّ وهو: ماذا بعد؟ أو كما يقال في الإعلام الغربي «اليوم التالي»، وهذا ما أحاول البناء عليه في التعليق على لقاء «انابوليس» المفترض أنه معقود اللواء لبحث إحلال السلام في المنطقة أو بالتحديد بين الفلسطينيين والاسرائيليين كما أراد أصحاب الدعوة الملتبسة. فالخبر العادي هو الدعوة للمؤتمر وموعده غداً والأطراف المشاركة فيه والهدف المعلن منه، لكن القواعد الجديدة تفترض أن نعرف أو نحدد، أو حتى نحاول، النتائج المرجوة منه والآمال المعلقة عليه وآلية التنفيذ والخطوات اللاحقة من أجل تحقيق الهدف المنشود والذي يمكن تلخيص التوقعات الأولية منه بأنه سيكون مخيباً للآمال. عند الغوص في أعماق الدعوة للقاء من حيث المعنى والمبنى نجد أنها جاءت مبتورة وناقصة وفارغة في الشكل والمضمون والجوهر لأنها لم تضع يدها على مواطن العلل ولا تبشر باجتراح معجزات تضمن وسائل المعالجة والشفاء وحل المشاكل الجوهرية والأساسية ووصف الحالة من جميع جوانبها ثم اقتراح الوسائل والأدوية المطلوبة. فمن حيث الشكل يبدو أن كل شيء قد «طبخ» على عجل لغاية في نفس بوش «المحشور» في العراق والمحرج في الداخل والخارج والمضطر للقيام بخطوة استعراضية تعيد له اعتباره الدولي والداخلي وتمنحه شرف الساعي الى السلام في العالم وتحفظ للولايات المتحدة ماء وجهها بعد سلسلة الاخفاقات والانتكاسات. فالمؤتمر الدولي تقزم مع الأيام ليتحول الى لقاء ثم الى مجرد اجتماع يستغرق ساعات تستهلكها خطابات المشاركين الذين حرص الداعون الى حشرهم بالعشرات من المهتمين وغير المبالين والمهمين والهامشيين والأقربين والأبعدين ممن لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذه «الهمروجة». ولو قارنا هذه الدعوة بسابقاتها لاكتشفنا مدى التراجع في المرجعيات والأسس والمبادئ ومستويات المشاركة ودقة التحضير وحنكة التمهيد كما جرى في مؤتمر مدريد للسلام في خريف عام 1991 الذي قام على أساس مبادئ الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام بمشاركة جميع الأطراف على مستويات رفيعة. ومع هذا فإن المؤتمر انتهى الى مجرد ذكرى لا طعم لها ولا لون ولا مفعول. أما من حيث المبدأ فإن النواقص لا تعد ولا تحصى إن في حصر البحث في الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وتجاهله مختلف عوامل النزاع الدامي المتواصل منذ 60 عاماً، أو في الاصرار على عدم وضع بند الجولان على جدول أعمال اللقاء في بنوده الرئيسية والالتفاف على الممانعة السورية بوعود تتضمن وضع بند في البيان الختامي يذكر بالموضوع على أمل التطرق له في مستقبل قد لا يأتي أو لا يسمح بعرضه، أو بوعود براقة من روسيا باستضافة «انابوليس 2» في موسكو يكون مخصصاً لبحث أسس السلام بين سورية واسرائيل وحل مشكلة مرتفعات الجولان المحتلة منذ حرب حزيران (يونيو) 1967. ومن حيث المبدأ أيضاً تجمع كل المؤشرات والدلائل والوقائع على أن هذا اللقاء يحمل بذور الفناء والفشل مهما كانت النتائج لأن عوامل تفجيره «منه وفيه» وهي كثيرة تبدأ بمضمون مواضيع البحث والخلافات المستعصية ولا تنتهي عند حدود التمثيل الناقص وصواعق التفجير المتوازية داخل حدود اسرائيل ومناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. فالسيد محمود عباس يترأس وفداً فلسطينياً ناقصاً ومبتوراً لأنه ذهب لملاقاة «الذئب» الصهيوني بجناح مهيض تاركاً جناحه الآخر، أي جناح «حماس»، محاصراً ورافضاً ومصمماً على التقسيم والتمرد على السلطة الشرعية لأسباب قد يعتبرها مشروعة، أو قد يعتبرها البعض مدفوعة بانقلاب أو بتوجيهات خارجية. ولا يمكن أحداً أن يجيب على تساؤلات الكثيرين عن كيفية تحقيق اختراق أو نجاح في مفاوضات يعرف العدو قبل الصديق أن من يجريها يعاني جراحاً وضعفاً ومشاكل لا تعد ولا تحصى، كما لا يمكن أحداً مهما علا شأنه أن يشرح لنا كيف يمكن تنفيذ نتائج ومقررات على الضفة بلا غزة، أي على جزء من «الدويلة» الممزقة، أو الكانتونات التي يخطط العدو لاقامتها بديلاً عن الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والحدود المشتركة. أما ايهود أولمرت فهو بدوره يتوجه الى «أنابوليس» مهيض الجناحين ومتردداً تاركاً وراءه أكواماً من القنابل المتفجرة وحقول الألغام والخناجر الموجهة الى صدره وظهره من حليفه المفترض ايهود باراك وزير الدفاع الطامح الى خلافته والطامح بالعودة الى المنصب الذي خسره ذليلاً ومهاناً على يد الحليف السابق لأولمرت ارييل شارون الغارق في غيبوبته بعد سنوات من غرقه في بحر التطرف والارهاب والقتل والدمار. يضاف الى ذلك سكاكين زعيم «الليكود» القديم الجديد بنيامين نتانياهو المهيأ للقفز الى منصب رئيس الوزراء مجدداً ومعه عشرات المتطرفين والليكوديين وقادة الأحزاب الدينية العنصرية من «شاس» وما شابهها وما فاقها تطرفاً وتعنتاً. أما العامل الآخر في «مأساة» أولمرت فيكمن في السيف المصلت على رأسه والذي يحد من قدراته على اتخاذ أي قرار فهو المتمثل في سلسلة الفضائح المالية والجنسية المتهم بها والتي يحقق بها القضاء بانتظار إشهارها في وجهه في الوقت المناسب أو في حال تقديمه أي تنازلات عن اطار المواقف الصهيونية المتعنتة. أما من حيث المضمون أو الجوهر فحدّث عن عوامل الفشل ولا حرج، فكل المؤشرات والوقائع تدل على أن اللقاء لن يتجاوز حدود الشكليات والمظاهر والادعاء بتحقيق خروقات في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، لأن «المؤسسة الصهيونية» وضعت حدوداً وخطوطاً حمراً لا يمكن لا لأولمرت في ظروفه المحرجة، ولا لغيره أن يخرج عنها أو يتجاوزها، بل يمكن الجزم بأن هذه المؤسسة استبقت اللقاء العتيد بزرع ألغام في طريقه لمنع حدوث أي تقدم مهما اشتدت الضغوط وبلغت التنازلات ومن بينها: * الإصرار على اعتراف الفلسطينيين بما يسمى بيهودية دولة اسرائيل، أي محو هوية فلسطين الى الأبد وإلغاء حقوق عرب الداخل، أي فلسطينيي عام 1948 الذين صمدوا في مدنهم وقراهم وتحملوا شتى أشكال الهوان والعذاب حفاظاً على هويتهم الوطنية وحقوقهم المشروعة وثباتهم في أرضهم العربية الطاهرة ومنع خطة «ترانسفير» جديدة لترحيلهم منها. * وهذا الإصرار يهدف الى نسف حق فلسطيني آخر وهو حق العودة المنصوص عنه في القرارات الدولية مما يعني تكريس مؤامرة توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن اقامتهم... فكيف يمكن للسلطة الوطنية أن تقر هذا الأمر الجلل وتمهد لكارثة أو نكبة أخرى؟ * تسريع أعمال الحفريات تحت المسجد الأقصى المبارك وتكريس إقامة المستوطنات الاستعمارية في القدس لتغيير معالمها وتهويدها ومنع أي بحث في مستقبل المدينة المقدسة أو أي التزام بالتنازل عن الأحياء العربية والأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية لتكون عاصمة للدولة المستقلة. * رفض قيام أي حوار بين السلطة الوطنية في الضفة الغربية و «حماس» في غزة والتهديد سلفاً بالتراجع عن أي اتفاق أو التزام في حال بدء هذا الحوار. * عدم الاعتراف بالمبادرة العربية الموحدة للسلام. والتراجع عن الالتزامات في مدريد وأوسلو وكامب ديفيد وطابا وتقزيم خريطة الطريق باختيار مبادئ انتقائية منها وإسقاط الأخرى بما يخدم مصالح اسرائيل وينسجم مع الشروط التعجيزية التي وضعها شارون لنسفها من أساسها بعد تبنيها من قبل اللجنة الرباعية الدولية (أميركا وروسيا وأوروبا والأمم المتحدة). هذه مجرد أمثلة من واقع مرير نعاني منه منذ بداية الصراع، حيث عمدت اسرائيل الى التسويف والمماطلة والمناورة لكسب الوقت وتكريس الاحتلال واستغلال الظروف لإثارة الفتن والتآمر لضرب الدول العربية وتمزيق وحدتها ولعب أدوار خبيثة في اشاعة أجواء عدم الاستقرار في المنطقة. فشامير ذهب الى مدريد بهدف نسف مسيرة السلام والمماطلة لأكثر من 10 سنوات، واليوم يذهب أولمرت الى أنابوليس وهو يعدنا بأنه من المحتمل تحقيق تقدم في المفاوضات في نهاية عام 2008 أي مع موعد رحيل بوش وقدوم رئيس جديد للولايات المتحدة وبعدها يخلق الله ما لا تعلمون و «بالوعد يا كمون». والمضحك المبكي في الموقف الراهن أن اسرائيل لا تخفي نياتها ولا تعد بالمن والسلوى والسلام الكامل بينما كانت في الماضي تخفي حقيقة موقفها وتدعي القبول بالقرارات الدولية كما فعلت في مدريد التي قامت مرجعيتها على أسس مبادئ الشرعية الدولية. فإذا كانت العبرة في الأعمال لا في الأقوال فإنه يمكن القول إن أعمال اسرائيل أسوأ من أقوالها وأن أقوال قادتها، من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، لا تنبئ بالخير بل تحمل بذور الشر المستطير والتصعيد المتمادي. ففي الماضي كان يقال إن العبرة في النفوس لا في النصوص، ونحن اليوم أمام نصوص سيئة ونفوس مريضة وخبيثة. فماذا يمكن أن ننتظر في غياب النيات الحسنة لدى الداعين واسرائيل؟ وماذا سنحصد من زرع لا خير فيه في غياب جدول زمني وآلية تنفيذ؟ وكيف نتفاءل ونحن نشهد أكبر عملية تزوير واحتيال في العالم يتم فيها تأجيل البنود الأساسية والتلهي بقشور وشكليات ودعوات لاجتماع من أجل الاستعراض والتصوير والمظاهر. الحياة - 26/11/07//
اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|