واشنطن نشر معهد الولايات المتحدة للسلام هذا الشهر تقريراً عنوانه \"التفاوض على سلام عربي إسرائيلي: القيادة الأميركية في الشرق الأوسط\"، يبحث عن جهود صنع السلام الأميركية عبر العقود الأربعة الماضية. قامت المجموعة الدراسية برئاسة دانيال كيرتزر (السفير الأميركي السابق لدى مصر وإسرائيل) بمقابلة ما يزيد على مائة مسؤول وخبير من سبع دول وثلاث منظمات دولية. يشكل الجزء الرئيس من التقرير نظرة مختصرة مركزة على حالات النجاح والفشل ونقاط القوة والضعف في جهود الإدارات الأميركية الثلاث الأخيرة في صنع سلام إسرائيلي فلسطيني. ويختتم التقرير بتفصيل عشرة دروس تم تعلّمها ووضع الخطوط العريضة لتوصيات ترتكز على هذه الدروس لإرشاد الإدارة القادمة. تبدأ دراسة جهود واشنطن في صنع السلام خلال الإدارات الثلاث الماضية بتقييم إيجابي بشكل واسع لـ \"بوش \"، إعطاء الفضل للرئيس جورج إتش دبليو بوش لأنه \"كان يملك أوضح شعور بالإستراتيجية\" والتي اتبعها \"بأسلوب منضبط وفاعل وملتزم إلى حد بعيد\". ويجري إطراء بوش ووزير الخارجية جيمس بيكر لتفهم واستغلال الفرص التي انسابت بعد نهاية الحرب الباردة ونهاية حرب الخليج الأولى والاندفاع بقوة، بضغط متوازن، لعقد مؤتمر السلام في مدريد. من ناحية أخرى فإن الضعف الرئيس لـ \"بوش \" الذي تمت الإشارة إليه في التقرير، كان \"فشله في بناء تحالف قوي في الوطن لدعم إستراتيجيته\". خليط هذا الفشل مع تركيزه على جهود حملة إعادة انتخابه عام 1992 هي التي أدت بإدارة الرئيس بوش لأن تفقد التركيز على جهودها لصنع السلام. رغم ذلك كله يشير التقرير إلى أن إدارة الرئيس كلنتون \"ورثت بيئة إستراتيجية مثالية لصنع السلام\". ورغم أن الرئيس بيل كلنتون قام بفعالية أكثر ببناء قاعدة دعم محلية لجهوده في صنع السلام إلا أنه كان \"أقل انضباطاً وأقل إستراتيجية من سابقه\". ويشير التقرير بشكل محدد إلى أن فريق الرئيس كلنتون \"فشل في فهم والتعامل مع نواحي التناسق الأساسية في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، ففي الوقت الذي ركزت فيه الولايات المتحدة اهتمامها على متطلبات إسرائيل الأمنية، جرى تركيز اهتمام أقل على المتطلبات السياسية الفلسطينية. لم تجد الولايات المتحدة طريقة للتعويض عن الضعف السياسي الفلسطيني. كانت تلك هي المرة الأولى في التاريخ يتوقع فيها من شعب تحت الاحتلال أن يفاوض على الخروج من الاحتلال، بينما يقوم في الوقت نفسه بإقامة دولة ديمقراطية مستقلة قادرة على البقاء\". ويشير التقرير إلى أن الرئيس كلنتون لم يشارك شخصياً في المفاوضات حتى فترة متأخرة من رئاسته الثانية، ولم يقدم خطته الخاصة به للسلام حتى آخر شهر له في الرئاسة. وكان ذلك بالطبع متأخرا جداً. إدارة الرئيس جورج دبليو بوش هي التي تحصل على أكبر قدر من الانتقاد، حيث يشير مؤلفو التقرير إلى أن \"توجهه نحو النزاع يفتقر إلى الالتزام وشعور من الهدف الإستراتيجي\". وهذا، حسب اقتراحهم، مرده إلى أن العديد من مستشاري الرئيس أبعدوا أهمية السلام في الشرق الأوسط وركزوا بشكل أكثر على أجنداتهم في \"تغيير النظام\" وإدخال الديمقراطية. وعندما شارك الرئيس بوش فعلياً، لم يكن ذلك إلا على المستوى اللغوي، دون متابعة تذكر إن وجدت. جرى الإعلان عن مخططات وإرسال الوسطاء واحداً بعد الآخر، ثم تجاهلهم وإفشال عملهم والاستغناء عنهم. و قد ساهم ذلك إلى درجة ما باعتقاد سائد بأن جهود الإدارة كانت تفتقر إلى الجدية. أثرت نتائج سوء الإدارة و/أو الاهمال هذه بشكل سلبي ليس فقط على الإسرائيليين والفلسطينيين وإنما كذلك على دبلوماسية الولايات المتحدة على المستوى الأوسع، والمواقف العامة تجاه الولايات المتحدة نفسها. وهذا يجعل من الضرورة، كما يقول المؤلفون بحزن، أن تعيد الإدارة الجديدة الانخراط مرة أخرى بصورة مبكرة وقوية في عملية صنع السلام في الشرق الأوسط. يستمر تقرير \"التفاوض على السلام العربي الإسرائيلي: القيادة الأميركية في الشرق الأوسط\"، بعد هذه المراجعة الناقدة للماضي، بإدراج قائمة من الدروس الهامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار من قبل أية إدارة مستقبلية. لقد تم تجاهل العديد منها ولفترة طويلة جداً من قبل صانعي السياسة الأميركيين، رغم أنها كانت واضحة بالنسبة للعديد من محللي النزاع. هناك ثلاثة دروس: 1. \"صنع السلام العربي الإسرائيلي هو في مصلحتنا الوطنية: جعل الحادي عشر من أيلول ، والعراق، وازدياد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، جعلت القيادة الأميركية في عملية السلام هامة أكثر وليس أقل. يحتاج الرئيس لأن يشير إلى أن عملية السلام هي أولوية وأن يضمن أن تتصرف الإدارة حسب ذلك\". 2. \"يجب ألا تتحدد السياسة الأميركية في أي مكان باستثناء واشنطن. يجب أن تتم مشاورات ومراجعات سياسية مع أطراف أخرى على أساس هذه المشاورات، وهذا أمر لا مناص منه، ولكن يجب أن يُنظر إلى سياستنا على أنها سياسة خاصة بنا\". 3. لقد انتقلت عملية السلام إلى ما وراء التطور المرحلي ويجب أن تهدف إلى حلول نهاية اللعبة. وهذا لا يتطلب قيادة أميركية لمساعدة الأطراف على صنع التبادلات الضرورية حول القضايا الجوهرية فحسب وإنما يتطلب كذلك التزاماً بتوجه دبلوماسي موسع يضم لاعبين دوليين وإقليميين رئيسيين\". يوفر تقرير \"التفاوض على السلام العربي الإسرائيلي: القيادة الأميركية في الشرق الأوسط\"، تاريخاً مفيداً وتحليلاً فكرياً معمقاً لا يجد المرء اختلافاً يذكر معه. إلا أن قلقي يرتكز على الخوف من أن يكون قد أتى متأخراً جداً. بعد عقود من السياسات الفاشلة والأوضاع المتدهورة على الأرض، ما زالت الساحة العربية الإسرائيلية تعاني من وقائع جديدة متأصلة ومواقف ووجهات نظر متصلبة تشترك معاً لتجعل السلام أكثر صعوبة. بوجود جدار إسرائيلي يمتد كالأفعى عبر الضفة الغربية ومستوطنات تهيمن على الأراضي، وغزة والقدس يخنقهما الاحتلال، كيف يمكن كسر ظهر هذا العناد والتصلب والشعور بالحق في صنع ما نستطيعه؟ وكيف يمكننا، بوجود سلطة فلسطينية جرى إضعافها، وسحب الثقة منها بنظر الكثيرين، وحماس المحّرِضة في غزة، وفلسطينيين غاضبين يائسين، كيف يمكننا كسر ظهر التطرف واليأس؟ قد يكون ذلك ممكناً. ولكن ليس من خلال إجراءات \"العمل كالمعتاد\". يجب اتباع تفاصيل \"التفاوض على السلام العربي الإسرائيلي: القيادة الأميركية في الشرق الأوسط\" من قبل رئيس أميركي مصمم جداً مستعد لاستخدام الضغط والسياسة ليس فقط للجمع بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإنما كذلك لتحويل المواقف الأميركية والإسرائيلية والفلسطينية، وبناء إجماع جديد يدرك ضرورة وفوائد السلام في الشرق الأوسط. لن يكون الأمر سهلاً، ولكن يجب القيام به الآن وإلا سيكون قد فات الأوان قريباً. د. جيمس زغبي رئيس المعهد العربي - الاميركي القدس
اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|