مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 

وصلتني رسائل عديدة حول مقالتي، بتاريخ: 20 كانون الثاني 2008، بعنوان: "ملتقى حكايا السنوي: مركزية القصة في نموّ الفرد ونهضة المجتمع"، التي ناقشت القضايا التي أثارها "لقاء حكايا الإقليمي السنوي"، في عمان، حيث القصة أو الحكاية، هي المكوّن الرئيس للفكر والتواصل.

شكَّلت الرسائل استجابة لدعوة الملتقى للحوار وتبادل التجارب. أنشر منها، مشاركة الصديقة د."أنيسة فخرو"، من البحرين؛ مع بعض الاختصار؛ للتعرف على تجربة عربية رائدة، ولتعميق الحوار حول المفاهيم التي تطرحها الحكاية، مع ملاحظة أن كلمة حزاوي جمع لكلمة حزاية، اللفظة الخليجية لكلمة حكاية، وخاصة حين تكون شعبية.

"صديقتي العزيزة فيحاء،

لقد قرأت مقالتك حول الحكايات الشعبية، وأثارت في نفسي الكثير من الشجون، لذا أبعث إليك جزءاً من تجربتي في توثيق بعض الحكايات الشعبية في الخليج، لمزيد من الحوار والمشاركة، وتوثيقاً وحفاظاً على تراثنا من الضياع، ولكي تستفيد منه كل أسرة بحرينية وخليجية وعربية.

هذا العمل التراثي بعنوان (حزاوي أمي شيخة - أحلام الطفولة)- مائة حكاية وحكاية، هو عبارة عن أجزاء أربعة، على غرار العمل التراثي الكبير "ألف ليلة وليلة"، يضم مجموعة من القصص التراثية، التي حفظتها الذاكرة الشعبية، وتم تناقلها من جيل إلى جيل.

الراوي الأصلي هي جدتي الحاجة شيخة بنت راشد بو راشد بنت عبد الملك، رحمها الله. ولدت عام 1917م، ووري جثمانها الطاهر الثرى عام 1999م، ولقد تم نقل هذه القصص والحكايا عبر الأجيال، أمي شيخة وابنتاها، وسجلت مجموعة منها على شريط، قبل تسع سنوات.

فكرت في أن يكون عنوان العمل (حكايات أمي شيخة)، ثم استبدلته إلى (حزاوي أمي شيخة)، يأخذ الطابع الشعبي، وليمثل العنوان المضمون الحقيقي للكتاب.

استغرق العمل حوالي تسع سنوات، وهو يحتوي على 130 لوحة، رسمها فنانون بحرينيون. أما غلاف الأجزاء الأربعة، فهي صور أثواب جدتي الأصلية. طبع من العمل حتى الآن جزءان، ولا يزال الجزءأن الثالث والرابع ينتظران الفرج.

إنني أؤمن تماما بالمقولة التي مفادها أن كل شخص مسن يموت، تموت وتندثر معه مكتبة ثمينة بأكملها.

لقد مثلت هذه القصص والحكايا طفولتي كلها؛ لأنها جعلتني أغفو على حلم، وأصحو على حلم آخر، لقد هفهف الحنان على نومي من خلالها، وغفت الأحلام على وسادتي.

لذلك أدعو كل أب وأم في البحرين، والخليج، أو الوطن العربي كله، أن يحكوا لأطفالهم كل ليلة حكاية، لكي يؤرخوا ويرسخوا تراثا إنسانياً أصيلاً، سيبقى محفورا في الزمن عبر الأجيال والعصور.

لقد تبين لي من خلال تجربتي هذه في كتابة القصص، ورصدي للحكايات الشعبية، أن هذا النوع من الأعمال التراثية الإبداعية، يصنف ضمن الدراسات الأنثروبولوجية، التي توثق حياة البشر في مرحلة معينة، وطريقة عيشهم، ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي، كما تبين العلاقات التي تربطهم وتحكمهم، وتقيس طريقة تفكيرهم وسلوكهم وعاداتهم وقيمهم، كما تكشف عن المصطلحات المستخدمة في تلك المرحلة، من خلال اللهجة العامية الدارجة، وعلاقتها باللغة الأم.

ولقد اكتشفت من خلال هذه التجربة، مدى ثراء هذا النوع من الفنون بالجماليات، والمضامين الإنسانية الراقية البليغة، ولفت انتباهي ملاحظات عدة منها: عنوان الحكاية الذي يعبر عن مضمونها.

والملاحظة الثانية، أن أسماء الشخصيات المنتقاة في القصة أو الحكاية، لها علاقة وثيقة بدورهم وما يمثلونه من مفاهيم. والثالثة، هي الروح العربية والعالمية المرئية، في بعض القصص والحكايا، فمثلاً قصة (حمدة) البحرينية هي حكاية (سارة) في الشام، وهي (سندريلا) عند الغرب، وهذا يدلنا على أن جذور الثقافة الإنسانية واحدة، ويثبت لنا أن التواصل الثقافي الإنساني عميق بعمق الحضارة، ومترابط دون حدود.

الملاحظة الرابعة، غزارة مضامين القصص والحكايا الشعبية، وعمقها وتنوعها، من حيث المضامين الإنسانية، والاجتماعية، والنفسية، والتربوية، والثقافية، والفنية، فلم يبق موضوع اجتماعي نفسي لم يتم تناوله، مثل الحب، والجمال، والغيرة، والحسد، والخيانة، والفقر، والظلم، والصراع الطبقي، وعشرات المفاهيم التي تم التطرق إليها؛ بل حتى المواضيع والأمور المسكوت عنها، أو المحرَّم تناولها اجتماعياً مثل الجنس، يتم تناولها وطرحها من خلال هذه القصص، بشكل واضح.

الملاحظة الخامسة، ارتباط اللهجة العامية باللغة الأم، فالكلمات التي كنا نعتقد أنها عامية جداً ولها علاقة باللهجة المحلية البحرينية أو الخليجية، تبين لنا بعد الرجوع إلى المعاجم والقواميس اللغوية أنها من صميم اللغة العربية الأصيلة. وهذا يدلنا على ارتباط اللهجات العامية، في مختلف أقطار الوطن العربي، وارتباطها باللغة العربية الأم من جهة أخرى.

الملاحظة السادسة، هذا الخيال الإبداعي، الذي يمتزج بالواقع والخرافة والأسطورة، ويأتي بكل منطقية في تتابع الأحداث وتسلسلها، كما تتميز الحكاية الشعبية، بتضمين بعض الأبيات الشعرية، والمقاطع الغنائية أحياناً، والتي تتكرر فيها، من أجل أن تبقى في الذاكرة الشعبية، فيسهل حفظها ونقلها وتداولها.

الملاحظة السابعة، دور المرأة المؤثر في الأحداث، فعلى الرغم من معاناة المرأة، إلا أنه كان لها موقع مهم جداً؛ بل دور أساسي يضاهي دور الرجل، ويتقدم عليه، سواء كانت المرأة كأم أو زوجة أو ابنة أو عشيقة، وسواء كان دورها يحمل في جنباته كل الخير، أو يمثل الشر، فإنها هي التي تحرك سائر الأحداث، وهي المسبب الأول لتواتر الأحداث وترادفها. وهذا يدلّنا على ما كانت تحظى به المرأة من مكانة كبرى.

الملاحظة الثامنة، إن أغلب القصص والحكايا تختتم بالنهايات السعيدة، وكأن الذائقة الشعبية مجمعة على هذه النهايات، ولا تقبل بديلاً عنها إلا فيما ندر، وكأنها تعوض عن المعاناة من الحياة المعيشية اليومية المضنية، باللجوء إلى السعادة اللحظية، والفرح الحالم، الذي يأتي في نهاية القصة.

الملاحظة التاسعة، تتمثل في الزمان والمكان، حيث أغلب أجواء الحكايات تدور في بيئات رئيسة ثلاث: البادية، والمدينة، والقرية.

الملاحظة العاشرة، إن كلّ واحدة من هذه القصص، تتمحور حول موضوع رئيس، ويمكن أن تتفرع عنها موضوعات ثانوية، لذلك ارتأيت، الإشارة إلى العبرة الرئيسية من الحكاية الشعبية. وإضافة إلى كل ذلك، جاءت مفردات القصص والحكايا الشعبية، في سياق فني جميل، وبصياغة لغوية في غاية الروعة والجمال والسلاسة، لتبقى أثرا لا ينمحي، ولا يزول طول السنين، وعبر الأجيال.

د .أنيسة أحمد فخرو/ البحرين

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة