انتابت الشعب الفلسطيني حالة من التفاؤل المشوب بالحذر في أعقاب إعلان حركة فتح عن قرب التوصل الى تفاهم مع حماس وبقية المنظمات والفصائل الفلسطينية ينهي الانقسام الحالي. ولم يكن نبيل شعث رئيس وفد فتح الى الحوار الذي ترعاه القاهرة وصاحب هذا الإعلان، مغيباً عن الواقع عندما أدلى به، فهو قريب من مؤسسة الرئاسة في رام الله، وليس بعيداً عن نبض الشارع الفلسطيني الذي يهرول نحو أية أخبار سارة.
ولم يكن هذا فقط المبعث الوحيد للتفاؤل الفلسطيني، لأن شعث ذكر جملة ربما تكون الأولى من نوعها منذ انفصال قطاع غزة عن الضفة في منتصف يونيو/ حزيران ،2007 فهو الذي قال "إن فتح لا تدعو الى مطالبة حماس بالاعتذار أولاً عما حدث في القطاع"، وقد كانت لهذه الجملة مفعول السحر في أوساط المتحاورين ونزعت الكثير من الزيت الذي يصب على النار من أطراف عديدة. ومن نافلة القول إن كلام شعث تزامن مع جدل فلسطيني ترك غيوماً على التفاؤل المشار إليه، هذا الجدل يتعلق بنشر قوات عربية في قطاع غزة. فشعث نفسه لم يرفض الفكرة التي قال عنها محمود عباس إنها محل نقاش من القيادة الفلسطينية وإن لم تكن هذه الفكرة محل اعتراض من جانبه. وخلص الفلسطينيون في الداخل الى أن استقدام قوات عربية سيكون له انعكاسات سلبية على مستقبل القضية الفلسطينية أولها تشريع أو تقنين التدخل الخارجي بشكل مباشر. وعلى الرغم من التبريرات التي سيقت لدعم فكرة القوات العربية، فالواقع الرافض للفكرة يتلخص في عدد من الأسباب هي: إن نشر القوات العربية ليس هدفه دعم الجهود الرامية لتسوية الأزمة الداخلية الفلسطينية، بقدر ما تكون تطبيعاً مجانياً مع "إسرائيل"، كونها تنطوي على تحويل أي وجود لقوات عربية الى شكل من أشكال الحماية للاحتلال. فنشر قوات عربية لن يكون إلا بموافقة "إسرائيلية"، و"إسرائيل" لن تقبل من دون تحقيق مكاسب مقابل ذلك، وهو ما سيكون على حساب القضية الفلسطينية. ومما لا شك فيه أن نشر قوات عربية في قطاع غزة سيعزز رغبة "إسرائيل" التي ستحاول استغلال هذا الطرح، في حال تم البدء في تنفيذه، من أجل تحقيق مكاسب متعددة تتمثل في استغلالها منفذاً لتطبيع العلاقات العربية - "الإسرائيلية"، وسيعطيها مزيداً من الذرائع في التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية جزئية عن الصراع العربي - "الإسرائيلي". كما أن القبول بوجود قوات عربية يكون على قاعدة إنهاء الاحتلال وجلائه وليس الحفاظ على ما يسمى بالأمن والهدوء والنظام على حساب المقاومة، ولأن القوات العربية تعني تنفيذاً للخطط الأمريكية "الإسرائيلية". من شأن هذه القوات أن تعزز حالة الانقسام وليس إنهاءها، كما أنها تكرس الأغراض الصهيونية في التعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية على أنهما كيانان منفصلان، وتكريساً لما يصوره "الإسرائيليون" على أن القطاع يعاني من فتنة وليس مجرد أزمة سياسية قد تنتهي سريعاً. سيتعامل الفلسطينيون مع أي قوات عربية أو دولية على أنها قوات احتلال وستكون معادية للشعب الفلسطيني وتطلعاته، طالما أخذت على عاتقها حماية الاحتلال. وفي حال استقدام قوات عربية من دون قبول فلسطيني شامل، فإن ذلك سيؤثر في العلاقات العربية - الفلسطينية بشكل سلبي، وقد يتحول التعامل مع الدول التي سترسل قواتها كدولة محتلة، وبالتالي مقاومة هذه القوات، وفي حال كانت هناك أي نتيجة سلبية لوجود هذه القوات سينعكس ذلك بشكل مباشر على العلاقات العربية - الفلسطينية وبالتالي إحداث فجوة في ما بينهما. وفي حال تمت مقاومة هذه القوات، فإنه سينظر إلى الشعب الفلسطيني على أنه شعب عدائي وبالتالي من الممكن أن يكنّ كل من الشارع العربي والفلسطيني العداء لبعضه بعضاً. ليس منوطاً بالجامعة العربية إرسال قوات عربية الى غزة، وإنما أن تتحمل مسؤولياتها في الإسراع بإنجاح الحوار وإنهاء حالة التشرذم والانقسام. فنشر القوات هو مشروع فاشل يمثل تدميراً للهوية الوطنية وتفكيكاً للمؤسسة الفلسطينية والنظام السياسي برمته، لا سيما في ظل فشل الرئيس الفلسطيني في تحقيق أي إنجاز جراء المفاوضات التي يجريها مع الطرف "الإسرائيلي". علما بأن نشر القوات العربية سيجعل تركيز الجهد العربي والإسلامي على الهامش بدلاً من العمل على إنهاء الاحتلال. وإذا تغاضينا عن فكرة إرسال قوات عربية إلى قطاع غزة، فهناك مقترح آخر ولم تتضح معالمه بعد يقضي بإرسال قوات دولية تحت عباءة الأمم المتحدة، وتكون مهمتها حماية أي اتفاق قد يتم التوصل إليه بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" بخصوص الضفة الغربية. فالفلسطينيون قد أبلغوا وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في آخر زيارة لها للمنطقة، تشككهم في نية "إسرائيل" الالتزام بتطبيق أي اتفاق مستقبلي، لا سيما وأن التجربة والتاريخ يقولان إن "إسرائيل" تتهرب من عملية التنفيذ. فتل أبيب وعبر قياداتها منذ تدشين مؤتمر مدريد عام 1991 لم تقدم أي تنازلات تبعث على بث أجواء تفاؤل، ودائماً ما تضع العراقيل أمام تقدم سير المفاوضات لأسباب عديدة تصب جميعها في الحفاظ على الوضع كما هو عليه. المشكلة الفلسطينية من اقتراح نشر قوات عربية في قطاع غزة تتعلق بما يتخوفون منه أصلاً من أي تدخل عربي يتعلق بقضيتهم، فهم يعتقدون أن التدخلات العربية تقود الى أزمات وليس حلولاً! عن صحيفة الخليج الاماراتية اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|