فيما ينتظر الشارع الفلسطيني بقلق بالغ، الخطوة اللاحقة التي ستتخذها القاهرة بشأن الحوار الوطني الشامل، يتواصل الاشتباك السياسي الإعلامي بين الأطراف المتصارعة، المرتبط بإجراءات وممارسات سلبية على الأرض، لترسم مشهداً يميل إلى التشاؤم إزاء إمكانية أن يؤدي الجهد المصري المدعوم عربياً إلى إقفال ملف الانقسام الخطير الذي تكرس على مدار أكثر من ستة عشر شهراً.
المرحلة الأولى من الخطة المصرية للحوار انتهت، بعد أن التقى وفد حركة حماس برئاسة نائب رئيس مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق، يومي الأربعاء والخميس الماضيين، مع المسؤولين المصريين وأمين عام الجامعة العربية، باعتبار أنه آخر وفود الفصائل المدرجة على جدول لقاءات الحوار. حسب الإعلانات السابقة، فإن المصريين سيبلورون ورقة اتفاق تطرح على لقاء شامل تحضره كافة الفصائل يوم الرابع من الشهر المقبل، وبحيث يتخذ اللقاء طابعاً شبه إلزامي بما تتضمنه الورقة المصرية، غير أن رئيس حركة فتح الدكتور نبيل شعث طالب بتقديم موعد اللقاء الشامل إلى الرابع عشر من الشهر الجاري، وذلك انطلاقاً من أهمية كسب الوقت، ومن أن الأفكار التي ستتضمنها الورقة الفلسطينية قد أصبحت ناضجة إلى حد بعيد. بعض الصحف العربية أشارت خلال الأسبوع الماضي، إلى أن الورقة المصرية قد أصبحت جاهزة، وتتضمن ثلاثة عشر بنداً شاملة لكافة القضايا، غير أن أي مصدر مسؤول لم يؤكد ذلك، وحيث ان جاهزية هذه الورقة قبل لقاءات وفد حماس مع المسؤولين المصريين، من شأنها أن تثير الشك حول مدى حيادية ونزاهة وموضوعية الموقف المصري، الأمر الذي يشكل عقبة حقيقية أمام إمكانية تحقيق اتفاق. يعتقد الكثيرون أن المساعي المصرية العربية لرأب الصراع الخطير في الساحة الفلسطينية تشكل فرصة أخيرة، فهي إما أن تنجح في إنهاء ملف الانقسام وإعادة بناء الوحدة الفلسطينية، وإما أن تنفتح على الفلسطينيين أبواب جهنم في حال فشلت تلك المساعي. على الأرض يلاحظ المواطن الفلسطيني استمرار الممارسات التي تنتمي إلى عقلية الانقسام، فالسجون لا تزال مفتوحة على الاعتقال السياسي، ومداهمة المؤسسات، وتقييد الحريات، وحملات التحريض والتشكيك والتخوين، ولا يزال مستمراً إضراب العاملين في قطاعات التعليم والصحة والخدمة العامة، في قطاع غزة. آخر عناوين الانقسام، الجدل الساخن الجاري بشأن مدى شرعية ولاية الرئيس محمود عباس، والتي تنتهي في التاسع من شهر يناير المقبل، إذ ترفض حركة حماس الإقرار بقانونية تمديد ولايته، ما لم يتم ذلك بناء لتوافق وطني ينجم عن الحوار، فيما تجتهد حركة فتح في تأكيد قانونية ولاية الرئيس. في حقيقة الأمر فإن الإقرار أو عدم الإقرار بقانونية تمديد فترة ولاية الرئاسة، في ظل استمرار حالة الانقسام، يصبح أمراً يتجاوز القانون إلى السياسة، على اعتبار أن القانون كان الضحية الأولى لحالة الانقسام، التي لم يحصل ولو لمرة واحدة بعد وقوعها أن تم اللجوء إلى التحكيم القانوني في ما يتصل بمعظم الأحداث اللاحقة. مصدر تشاؤم الشارع الفلسطيني يستند إلى أن الأطراف المتصارعة رفضت على مدار ستة عشر شهراً، عشرات المبادرات وأوراق العمل والتدخلات التي قامت بها فصائل فلسطينية ومنظمات مجتمع مدني أو نشطاء فلسطينيون، وإلى أن مصلحة إسرائيل تقتضي بوضوح استمرارية حالة الانقسام. وبالتالي فإن إسرائيل وهي صاحبة ذراع طويلة، ستتدخل لمنع أي مبادرة تسعى لإنهاء الانقسام في الساحة الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، وربما الأهم، فإن ما مضى من وقت طويل كرس على الأرض وقائع انقسامية صعبة، محكومة باختلافات واسعة وعميقة ذات أبعاد برنامجية، خلاصتها تقديم وإعلاء المصالح والرؤى الفصائلية على الوطنية العامة. لقد تركت أشهر الانقسام آثاراً اجتماعية ونفسية وثقافية وقيمية، لن يكون من السهل تجاوزها، حتى في حالة نجاح المحاولة المصرية في تجاوز الأبعاد السياسية والقانونية والسلطوية، فلقد تعمقت ظاهرة التعصب الجزئي والأيديولوجي، وتعمقت وحدة العائلة، وانبنت مؤسسات وسلطات على أساس الاحتكار، وفقدت شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني الثقة في الفصائل. وباستثناء أن الكل بتفاوت يقر بشرعية الرئيس محمود عباس، والتي تنتهي بالنسبة لحركة حماس في التاسع من يناير المقبل، وبغض النظر عن مدى استناد هذا الطرف وذاك إلى الشرعية والقانون، فإن هناك سلطتين كاملتين تقريباً، ومتصارعتين، واحدة في قطاع غزة والأخرى في الضفة. ولقد أظهرت الأطراف عناداً منقطع النظير إزاء التمسك بمشاريعها، الأمر الذي يعمق شكوك المواطن الفلسطيني إزاء إمكانية التراجع عن تلك المشاريع. على كل حال فإن التحرك المصري يشكل فرصةً حقيقيةً لتجاوز محنة الانقسام الفلسطيني، فهو يأتي بعد فترة طويلة فشلت خلالها خيارات ورهانات الأطراف الفلسطينية المتصارعة، بالإضافة إلى أن كل الجماعة العربية تخشى في واقع الأمر أن يؤدي استمرار الانقسام الفلسطيني إلى انهيار استراتيجية وخيار السلام والمفاوضات، في وقت تتأكد فيه جدية المجتمع الدولي إزاء متابعة عملية آنابوليس حتى النهاية، على اعتبار أنها لم تعد مرتبطة بنهاية هذا العام. المراهنة على الدور المصري والعربي إزاء إمكانية معالجة ملف الانقسام الفلسطيني، تستند بدورها إلى ما يصدر من إشارات واضحة على أن الجامعة العربية لن تترك مصير الحوار للفلسطينيين الذين سيكون من الصعب عليهم التوصل إلى اتفاق بقناعة حول كافة مفردات الملف، وإنما ستتابع الأمر حتى لو استدعى ذلك اتخاذ عقوبات بحق الطرف المسؤول عن إفشال الحوار، كما صرح بذلك أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى. هذا يعني أن العرب طفح لديهم الكيل إزاء ما يفعله الفلسطينيون بأنفسهم وبقضيتهم وبتأثيرات ذلك على المصالح العربية، وأنهم سيأخذون بخط إرغام الأطراف الفلسطينية المتصارعة على قبول الحل العربي، والذي سينطوي حكماً على ظلم لطرف فلسطيني أكثر من الظلم الذي سيقع على أطراف أخرى. إن من يقوم بمقارنة أجندة الحوار بمواقف الأطراف الفلسطينية، سيصل سريعاً إلى نتيجة تقول بالفشل. غير أن ثمة فارقا كبيرا بين تكتيك ما قبل الحوار حيث يسعى كل طرف لتحسين مواقعه في الحوار، وتكتيك طاولة الحوار، خصوصاً في ظل عوامل مساعدة، سواء من باب تسهيل التواصل إلى قناعات ومساومات، أو من باب الضغط لتحقيق توافقات. في كل الأحوال فإن متابعة تنفيذ أي اتفاق قيد التوصل إليه، يساوي أو ربما يفوق مساعي إنجاح الحوار، الأمر الذي يتطلب تواصلاً للدور المصري والعربي وحضوراً مكثفاً، لضمان إعادة بناء الوضع الفلسطيني على أسس جديدة وراسخة. عن صحيفة البيان الاماراتية اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|