مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
لم يترك صناع القرار السياسي الفلسطيني للمواطن سوى التضرع إلى الله في انتظار الفرج، حيث فقد البشر القدرة على استعادته، فمنذ تأجيل جلسة الحوار الشامل التي كان من المفروض أن تنعقد في القاهرة يوم العاشر من نوفمبر الجاري، يعاني الفلسطينيون فوق معاناتهم حالة من الإحباط والتشاؤم وفقدان الأمل بإمكانية الخروج من الأزمة الخانقة الناجمة عن صراع على سلطة، الكل يصفها بالهشة، أو سلطة الحكم الإداري الذاتي محدودة الصلاحيات.

كان الأمل في الخروج من الأزمة معقودا على توافر إرادة عربية جامعة تدعم الجهد المصري الذي تميز بكل الجدية اللازمة لجمع الأطراف الفلسطينية المتصارعة إلى طاولة حوار شامل، بقدر ما تغلق أمام الإسرائيليين أبواب تنفيذ مخططاتهم الخبيثة، تفتح أمام الفلسطينيين الأمل في التقدم نحو تحقيق أهدافهم الوطنية.

غير أن حسابات البيدر لم تأت متوافقة مع حسابات الحقل، فلا الأطراف المتصارعة تملك إرادة الذهاب إلى حوار ينهي الانقسام، أو ما يكفي من حسن النوايا تجاه الآخر المختلف، ولا العرب مع الأسف، يملكون مثل هذه الإرادة الجماعية، أو أنهم يختلفون في مدى تقدير الظروف والشروط التي تسمح بإقفال هذا الملف الذي تفيض تداعياته ومخاطره إلى المحيط العربي القريب من فلسطين والبعيد عنها.

لقد شكل قرار حماس بالاعتذار عن حضور جلسة الحوار الشامل مشترطة قيام السلطة بالإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، الذين تقول إن عددهم يزيد على ستمئة، أغلبهم من حركة حماس، فيما شكل القرار بداية مرحلة أخرى من مراحل التحريض والتعريض والاتهامات المتبادلة، والإجراءات المضادة.

ولهذا أصبح من المتعذر على وزراء الخارجية الذين اجتمعوا في القاهرة يوم الأربعاء الماضي أن يتخذوا قرارات واضحة، كان يأمل الرئيس محمود عباس أن تؤدي إلى حشر حركة حماس من خلال تحميلها مسؤولية فشل الحوار، وبالتالي إخضاعها لعقوبات، كان قد لوح باتخاذها أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى قبل أكثر من شهر.

حتى القرارات التي اتخذها المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطيني خلال اجتماعاته يومي الأحد والاثنين الماضيين، تعبر هي الأخرى عن تصعيد في الخلاف، ومواصلة سياسة الضغط على حركة حماس، إلى أن تستجيب لنداءات حوار غير مشروط. الرئيس محمود عباس الذي انتخبه المجلس المركزي بأغلبية أعضائه رئيساً لدولة فلسطين، أعلن أنه سيتخذ قرارا بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة ومبكرة في حال فشلت الجهود من أجل تحقيق الحوار الوطني الشامل قبل نهاية هذا العام.

التوقيت ليس عبثياً، إذ انه يستبق التاسع من يناير المقبل، الموعد الذي تعتبره حماس اليوم الأخير في شرعية الرئيس عباس، وتلك قضية تشكل منذ بعض الوقت عنوان جدل واختلافا قانونيا ودستوريا، لا يشكل سوى ذرائع إضافية لتعزيز وتعميق منطق الانقسام، الذي أطاح في الأساس بكل القوانين والشرعيات.

ويبدو أن الرئيس عباس يلقي بالكرة مرة أخرى في حضن الجامعة العربية التي عليها الانتباه جيداً لتحذيرهم، ولاتخاذ ما يلزم من قرارات وممارسة الضغوط على الأطراف العربية المؤيدة لحماس وعلى حركة حماس ذاتها، حتى لا يتحول الانقسام إلى مرض مزمن تصعب معالجته في إطار فلسطيني أو عربي.

قرار الرئيس عباس المشروط والذي رفضته حركة حماس في حال تنفيذه، يعني أن الانتخابات ستتم في الضفة الغربية، حيث لن تسمح حماس بإجرائها في قطاع غزة، طالما يتم التوافق عليها وطنياً، الأمر الذي قد يجر الأمور نحو المزيد من الخطوات ربما باتجاه تدويل الأزمة.

المشكلة أن كل الأطراف الفلسطينية المتصارعة وغير المتصارعة، كما المواطن الفلسطيني العادي بات يدرك تماماً أن السياسة الإسرائيلية تلعب بشكل جيد على التناقضات الفلسطينية وتتلاعب بها وهي تستهدف تصعيد حالة الانقسام إلى حالة انفصال تام لقطاع غزة عن الحالة الفلسطينية.

هكذا فقط يمكن ملاحظة الموقف الإسرائيلي من التهدئة التي يريدها مجانية، والإصرار على إغلاق كافة المعابر مع قطاع غزة، لدفع سكانه تحت ضغط الحاجة والأمر الواقع، نحو البحث عن احتياجاتهم المعيشية من مصر، وأيضاً لحرف الصراع بدلاً من أن يكون مع المحتل الإسرائيلي الذي يحاصر قطاع غزة إلى صراع أو أزمة مع مصر.

فلقد أدى الإغلاق المستمر للمعابر بين قطاع غزة وإسرائيل لأسابيع طويلة، إلى تدمير كافة مناحي حياة سكان القطاع الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة اليومية، في سبيل تحقيق الهدف الإسرائيلي الذي يدركه الفلسطينيون، وليمتنعون عن توفير مقومات مجابهة وإفشال ذلك الهدف الخطير، تصم إسرائيل آذانها عن النداءات التي تصدر عن مؤسسات دولية ومسؤولين دوليين بما في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والتي تدعوها لفتح المعابر محكمة الإغلاق.

لسان حال إسرائيل يقول إذا هان الفلسطيني على أخيه الفلسطيني فكيف لا يهون على العدو؟ ومن الواضح أن إسرائيل تواصل، ويوفر لها الانقسام الفلسطيني الفرصة، لمواصلة تنفيذ السياسة الشارونية التي تستهدف تنصل إسرائيل كلياً وإلى الأبد من مسؤوليتها كدولة احتلال عن قطاع غزة قانونياً وسياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

هذا الإنجاز الإسرائيلي إنما يشكل حجر الزاوية في السياسة الإسرائيلية الرامية لقطع الطريق أمام إمكانية قيام دولة فلسطين، وبدلاً من ذلك تدفع القضية الفلسطينية مرةً أخرى إلى متاهة جديدة.

قد يعتقد البعض أن تأجيل الحوار الفلسطيني إلى ما بعد تسلم أوباما مفاتيح البيت الأبيض، لا يحدث فرقاً، غير أن واقع الحال يؤكد أن إسرائيل تستثمر كل دقيقة وكل وسيلة لتدمير الأهداف والمصالح الفلسطينية.

ليس هذا فحسب بل إن المصالح القومية، والأمن القومي العربي يتعرضان لخطر شديد في حال نجحت المخططات الإسرائيلية، وهذا في الحقيقة يشكل دافعاً قوياً لمصر كي تقوم بما قامت أو ينتظر أن تقوم به، وإلا فإن تخليها عن جهدها لإنهاء الانقسام الفلسطيني سيشكل أيضاً تقصيراً وتساهلاً إزاء رؤيتها لأمنها القومي.

عن صحيفة البيان الاماراتية

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة