مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
أذكر أن المفكر الفلسطيني علي الجرباوي قد قال في محاضرة له في المعهد الدبلوماسي في عمان بٌعيْد توقيع اتفاق مكة في شباط 2006، أن النزاع بين حماس وفتح أعمق غورا من أن يحل باتفاق مهما كانت قدسية المكان الذي وقع فيه، أو جدية الالتزامات التي يبديها الفرقاء الموقعون.

أعترف أنني فوجئت، يومها، ككل المستعمعين، باللغة الرصينة وبالثقة التي أكد فيها المحاضر تلك الحقيقة. وها نحن اليوم وبعد سنوات ثلاث على توقيع اتفاق مكة نجد أنفسنا أمام صراع يتعمق ويتصاعد كل يوم بمناسبة وبغير مناسبة.

وأمس تمثلت إحدى هذه المناسبات بالموقف من انتخاب عباس من قبل المجلس المركزي رئيسا لدولة فلسطين، وهو المركز الذي انتخب عرفات ليملأه سنة 1989 بعد إعلان الجزائر، قبل ذلك بعدة أشهر، بإقامة الدولة الفلسطينية، ثم تلاشى منسيا بعد اتفاقات أوسلو وظهور مركز رئيس السلطة الفلسطينية.

كان يجب أن يكون إحياء مركز رئيس دولة فلسطين، في هذا الوقت بالذات، موضع ترحيب كل الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس، لا استنكارها ومحاربتها لأسباب واضحة كثيرة.

معروف أن هدف النضال الفلسطيني كان دائما تحرير الأرض المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية- مبادرة بيروت العربية 2002- وليس مشروع أوسلو الذي لم يكن جديدا.

فهو نفس المشروع الإسرائيلي الذي عرضه بيغن على السادات في العريش سنة 1977 ورفضه السادات يومها؛ وعرضه شامير وبيرنز على إدارة ريغن سنة 1988 حين كانت مبادرة الأخير ما تزال مطروحة لتسوية النزاع، فلم يجد من يبحث فيه يومها، فتأجل حتى أوسلو التي اعتبر اتفاقها انتصارا فلسطينيا.

اعتمد المشروع الإسرائيلي استراتيجية تجزئة القضية الفلسطينية لعدد كبير من التفاصيل تدير إسرائيل المفاوضات بشأن كل منها، على حدة، بصورة تجعل كل تفصيل صغير منها يكبر حتى يصبح بحجم القضية ككل.

وهكذا صممت العملية السلمية لتكون على مرحلتين-انتقالية ودائمة- وتفصيلات لا مواعيد مقدسة للانتهاء منها: بدءا من تقسيم الأرض إلى أ وب وج؛ إلى قضية الدولة: هل هي انتقالية أم دائمة وحدودها: هل هي وفق الأرض أم عليها أم في الفضاء والعاصمة: أين حدودها وشكلها... وهكذا إلى ما لا نهاية. ثم تتالت مشاريع التوسط الدولية: من تنيت إلى خارطة الطريق ثم أنا بولس؛ ومحادثات بينية مثل محادثات طابا ووثيقة جنيف، وعباس بيلين، ثم ماراثون مفاوضات لم ينته ولم يكن لينتهي حتى اللحظة.

وأثناء ذلك، عملت إسرائيل على قيام ظروف دولية مواتية لتنفيذ أهدافها فتحققت تلك الظروف بصعود بوش الإبن والمحافظين الجدد لمراكز صنع القرار في واشنطن سنة 2000، فلم تضيع لحظة واحدة في البدء بمشروعها: فضاعفت سرعتها بتوسيع المستوطنات؛ وبناء الجدار؛ وإعادة احتلال الضفة الغربية؛ ورفض مبادرة بيروت العربية؛ ثم البدء بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد بحرب لبنان سنة 2006؛. فالانسحاب من غزة.

لكنها اكتشفت، بعد ثماني سنوات، أنها استعملت أضخم هراوتها في قتال الفلسطينيين، فلم تنتصر النصر النهائي الذي أرادته، بل شدت من عزيمتهم وإيمانهم بالانتصار، فلجأت إلى آخر مافي ترسانتها من أسلحة، وهي إشعال الخلاف بينهم.

وهكذا كان: فقد أصر بوش على إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية على الرغم من اعتراض أبو مازن. وعندما أجريت الانتخابات بنتائجها المعروفة سلفا، رفضتها أمريكا، ثم حاصرت الفلسطينيين بحجة انتصار حماس فيها، فاشتعل الخلاف كأنما الخصم فلسطيني وتولت الفصائل، كل من جانبها، النفخ في ناره، بكل العمى والجهل الذي يتجذر فيه هذا الصراع.

لا وظيفة وطنية للخلاف، فلا مكان قبل التحرير لأية مشروعات آيديولوجية. كل الذين يفكرون بغير ذلك إنما يتنازلون عن هدف التحرير لصالح سياسات غير فلسطينية وغير عربية، ويحولون المسألة الفلسطينية إلى مجرد ورقة مساومات على طاولة مفاوضات يجلس حولها خصوم دوليون وإقليميون لا هم لهم سوى مصالحهم الوطنية الخاصة.

لا بد من إنهاء هذا الشقاق، والعودة للأصل، لمشروع الدولة الفلسطينية كما رأته مؤتمرات الجزائر وتونس 1988/1989، وانتخاب رئيس للدولة يشرف على الانتخابات التشريعية القادمة وانتخاب رئيس السلطة أو رئيس الوزراء الانتقالي.

طرح الدولة بهذه الصورة هو البديل الفلسطيني الصحيح لكل مشاريع إسرائيل التفاوضية التي عرفناها وكل التيه الفلسطيني؛ وهو الطرح المناسب لحل شامل وعادل في ضوء التغيير الذي نراه يبني نفسه في المنطقة والعالم.

عن صحيفة الرأي الأردنية

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة